الرأي

التوترات العصبية في المدن الكبرى



كنت على موعد لزيارة أحد أصدقائي، وأثناء قيادتي السيارة وجدت مؤشر البنزين منخفضا فذهبت إلى إحدى المحطات القريبة، وعندما قام العامل بتعبئة السيارة بالوقود أخرج جهاز الدفع الآلي، فهممت بالدفع ولكن لم يتم سحب المبلغ لخلل فني، فدفعت بالبطاقة الأخرى. سألت العامل سؤالا عابرا «هل أنت متأكد من عدم سحب المبلغ الأول؟». فأجابني بحدة وغضب «شوف بنفسك تصلك رسالة رفض» وغادر مباشرة دون أن يمنحني فرصة للحوار. تعجبت من ردة فعله العنيفة، وحاولت أن ألتمس له العذر، فالعامل ربما كان يومه طويلا واستنزف ما لديه من صبر.

على أي حال، غادرت المحطة متجها إلى الطريق العام وأنا أقود مركبتي وبأقصى سرعة قانونية، وأنظر في المرآة وإذ بسيارة مسرعة تلتصق من الخلف وتشعل الأنوار العالية. قائد المركبة يلوح بغضب ويطالبني بإخلاء المسار فورا عندها شعرت بالتوتر والقلق ووضعت مؤشر الإشارة الضوئية قيد التشغيل حتى يفهم أني سوف أنعطف يمينا وأخرج من المسار كليا تاركا الطريق له. أكملت طريقي حتى وصلت إلى وجهتي، وما إن دخلت إلى المبنى حتى ضغطت على زر المصعد. فتح باب المصعد وبادرت من بداخله بتحية السلام، فغادر الرجل متجهما دون رد التحية. وصلت إلى الشقة السكنية حيث يقيم صديقي وأنا متوتر ومضغوط نفسيا. نعم، ثلاثة مواقف عابرة جعلتني أتساءل هل يمكن للمدن الكبرى أن تساهم في زيادة التوتر العصبي لسكانها؟

في الواقع، التوترات العصبية (Stress) هي استجابة مؤقتة لموقف أو سلوك ضاغط يؤدي إلى اضطرابات مزاجية قد تنتهي عند زوال الموقف أو تستمر، ومن أعراضها شدة الانفعال، والغضب، وتسارع نبضات القلب. الجميع على عجلة من أمره، وتيرة الحياة متسارعة، والنفسية كما نقول بالعامية في النازل. الابتسامة أصبحت عملة نادرة. أما التحية التي كانت طبيعية في الأماكن العامة أصبحت وكأنها تصرف يثير الاستغراب.

الضوضاء، والازدحام، ووتيرة الحياة المتسارعة كلها عوامل زادت من حدة التوتر في المدن الكبرى. يعيش السكان في بيئة مثيرة للاستنفار، وتواجهنا أسئلة وعبارات ضاغطة مثل: انتبه لسيارتك؟ لا تتأخر عن الموعد؟ لا تأخذ مخالفة؟ أسرع في الطلب؟ انتبه توقف سيارتك هنا؟ ادفع الأقساط المتأخرة؟ نأسف لإبلاغك أنه سوف يتم إيقاف الخدمة عن..؟ هذه التفاصيل الصغيرة من حياتنا اليومية والتراكمات جعلتنا نعيش حالة هلع مستمرة؛ لنحاول أن نفرغ ذلك على من حولنا سواء في الطرق العامة أو في المواقف اليومية.

تتسم العلاقة بين المدينة وسكانها بالخصومة، فإذا كانت رحلة واحدة قادرة على جمع المزيد من التوترات العصبية فكيف بمن يعيش هذه المواقف يوميا؟ وأنا هنا لا أبرر سوء التعامل؛ بل أنظر إلى زاوية السلوك الإنساني الذي يتشكل نتيجة توترات المكان. المدينة التي تضع سكانها تحت اختبار، وضغط نفسي، وتوترات يومية تنتج أنماطا سلوكية تختلف عن تلك التي تزرع الطمأنينة، والثقة، والسعادة.

أحيانا نقيس كفاءة المدن بحجم الاستثمارات والبنى التحتية، ويغيب عن أذهاننا حساب دقائق التوتر العصبي الذي تنتجه هذه المدن. إن عامل المحطة، وقائد المركبة، والرجل الذي خرج من المصعد لم يكونوا سيئين بطبعهم؛ بل واجهوا تراكمات يومية فرضها عليهم إيقاع المدينة.

ختاما، فإن التخطيط العمراني ليس مجرد تقسيم متوازن لاستعمالات الأراضي وتوزيع للأنشطة الحيوية ومسارات الحركة والنقل. التخطيط هو تنظيم المزاج الاجتماعي الذي نرسمه في وجوه الناس ليكونوا أكثر سعادة.