فلسفة الغواية في عصر الخوارزميات أبجدية على الجبين وزيف على الشاشات
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦طالما استبدت بالوعي الجمعي دهشة فطرية كلما مرت به نصوص الفتن والملاحم، ولا سيما ذلك المشهد المفزع المضروب في خاتمة الزمان، خروج «المسيح الدجال»،
كانت الحيرة تكمن في ذلك التناقض الصارخ الذي يعجز العقل البسيط عن هضمه. كيف لجموع بشرية تدعي العقل والرشد أن تسلم قيادها لرجل أعور مشوه الملامح تتناقض دعواه مع بديهيات الألوهية، وفوق كل ذلك خط على جبينه بمداد الوضوح كلمة (كـ فـ ر)؟!
كان الافتراض السائد في العقل الكلاسيكي أن السقوط في شباك الضلال يتطلب حبكة متقنة من الدهاء وتسترا كاملا للباطل خلف أستار الفضيلة، وأن عورة الشر إذا تكشفت صريحة على قارعة الطريق انفضت عنها الجموع تلقائيا.
غير أن هذا الاستغراب المنطقي لم يكن سوى نتاج جهل بطبائع النفس البشرية حين تستلب إرادتها، وهو استغراب بدأ يتلاشى كليا بمجرد معايشتنا لظاهرة الشاشات الزرقاء وسطوة المنصات الحديثة، لقد قدمت لنا وسائل التواصل الاجتماعي تشريحا سوسيولوجيا ونفسيا مذهلا لآليات «صناعة الآلهة الزائفة»، وكشفت عن قابلية الإنسان المعاصر للاستعباد الطوعي متى ما وعد بالرغيف أو منح وهم «الخلود» في المشهد.
إننا نعيش اليوم في مختبر مفتوح يعيد صياغة الوعي الجمعي، عصر لو أخطر فيه المرء بأن أنفاسه ستحتبس غدا لانشغل بتنميق كلماته الأخيرة للغرباء أكثر من انشغاله بتطهير سريرته لخالقه.
لقد استبدلت خشية الحساب بالرعب من «الغياب»، وبات الخوف من الرحيل دون جمهور يفوق الرهبة من القدوم على الله فردا!! وحين يصل الكائن البشري إلى هذه الدرجة من الهشاشة الوجودية التي تجعله يبيع حقيقته بثمن بخس من التفاعل والإعجاب اللحظيين تسقط كل الأسئلة الاستنكارية حول إمكانية تبعية الدجال!!
هنا تحديدا يتجلى العمق النبوي الفلسفي في الإشارة إلى الحروف المرقومة بين عينيه «يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب». لم تكن تلك العلامة يوما أحرفا هجائية تدرك بسلامة القرنية وحذق الأبجدية، بل كانت رمزا «للبصيرة الأخلاقية» التي تتجاوز البصر الظاهر، فالحديث فرق بين القراءة الحسية والقراءة الإيمانية، إذ إن العيون التي اعتادت تبرير الزيف وتدربت يوميا على ابتلاع الرداءة وإشهار التافهين تصاب بعمى وظيفي يحجب عنها أوضح الحقائق ولو كتبت بخط عريض على ناصية الواقع.
إن ما نكابده اليوم في الفضاء الرقمي ليس مجرد طفرة اتصالية بل هو «ترويض مسبق» للبشرية على قبول النموذج الدجالي فنحن نرى الزور مقنعا والانحطاط مسوقا والأكاذيب متوجة بهالات المتابعة والقبول، والكل يعلم زيفها، ومع ذلك ينقاد لها طائعا!! إن التنازل التدريجي عن الفطرة مقابل متعة عابرة أو إشباع غريزي هو ذاته الآلية النفسية التي ستجعل الجياع غدا يتبعون مسيح الضلالة لأن معه «جبالا من خبز» متغافلين عن عوره ومتعامين عن كفره المكتوب!
لقد أسقطت الخوارزميات ورقة التوت عن حصانة العقل البشري، وبرهنت على أن الدجال لن يحتاج إلى التخفي أو إنكار عوره، فالأرض تمهد له يوميا بجموع أدمنت الركوع أمام بريق الصورة واعتادت أن تبيع يقينها لسراب المشهد.