عمارة جازان.. هوية واحدة بـ4 لغات معمارية
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦تمثل العمارة في منطقة جازان سجلا عمرانيا يعكس تنوع بيئاتها وخصوصية البناء فيها؛ إذ تشكلت ملامحها عبر خبرات تراكمت في التعامل مع المناخ والتضاريس ومواد البيئة، وأنتجت حلولا اختلفت باختلاف المكان، لتقدم اليوم نموذجا لانتقال المعرفة المحلية من إرث تحفظه المباني القديمة إلى موجهات تستفيد منها مشروعات الحاضر.
ويتشكل هذا التنوع بين ساحل البحر الأحمر وسهول تهامة والسفوح وجبال السروات وجزر فرسان؛ إذ تتبدل ملامح البناء بتبدل الجغرافيا، وتتوزع على 4 أنماط رئيسة، هي: «عمارة ساحل تهامة، وعمارة سفوح تهامة، وعمارة جبال السروات، وعمارة جزر فرسان»؛ لكل منها خصائص معمارية تعكس طبيعة بيئتها، وتمنح المشهد العمراني في منطقة جازان تنوعه وخصوصيته.
فعلى امتداد السهول الساحلية، تشكلت عمارة ساحل تهامة في بيئة تأثرت بمناخ البحر الأحمر، وبرزت فيها مبان منخفضة الارتفاع، تنوعت بين مساكن القصب والأكواخ الطينية والمنازل الحجرية، فيما استخدمت مواد محلية شملت الحجر والطين والشعاب المرجانية، وظهرت النوافذ الواسعة ذات الأقواس العريضة بوصفها أحد الحلول التي تسمح بمرور نسيم البحر.
وعند السفوح، تتغير معادلة البناء مع الانتقال من السهل إلى المرتفعات؛ إذ تجمع عمارة سفوح تهامة بين مؤثرات البيئتين الساحلية والجبلية، ويبرز فيها الحجر والجص المحلي، والأسقف المستوية والفتحات الصغيرة، وتتقارب المساكن ضمن تجمعات تتخللها أزقة ضيقة وساحات داخلية، بما يعكس استجابة لطبيعة التضاريس والمناخ. وفي جبال السروات تصبح التضاريس عنصرا رئيسا في تكوين المبنى؛ إذ تتسم العمارة التقليدية بمبان متضامة وهياكل حجرية، وتستخدم أحجار محلية تتدرج ألوانها بين الأسود والبني والرمادي والأبيض، مع فتحات صغيرة، وواجهات تضم أعمدة خشبية منحوتة وسلالم خارجية وزخارف حجرية هندسية، بما يجسد خبرة في مواءمة البناء مع طبيعة المرتفعات.
وعلى جزر فرسان تأخذ العمارة شخصية مختلفة فرضتها البيئة البحرية؛ إذ استخدم الحجر المرجاني والجص المحلي والحجر الطبيعي في تشييد المباني، وظهرت الزخارف المنقوشة والأنماط الهندسية الجصية، فيما أسهمت النوافذ الكبيرة والأفنية في الاستفادة من نسيم البحر وتحسين الراحة الحرارية.
ولا تكمن قيمة هذه الأنماط في أشكال المباني وحدها؛ بل في المعرفة التي تقف خلفها؛ فالنافذة تتسع لاستقبال نسيم البحر على الساحل وفرسان، وتصغر في مباني الجبال، فيما تتغير مواد البناء وتفاصيله باختلاف التضاريس، لتكشف العمارة عن استجابة عملية للبيئة.