الرأي

10 أكتوبر والتوازن النفسي في زمن هيمنة التقنيات 

يحتفي العالم بعد غد السبت العاشر من أكتوبر باليوم العالمي للصحة النفسية، في مناسبة تسلط الضوء على أهمية الصحة النفسية باعتبارها ركيزة أساسية لجودة الحياة، إذ لم يعد مفهوم الصحة النفسية في عصرنا الحديث مقتصرا على غياب المرض أو الاضطرابات النفسية، بل أصبح يشمل قدرة الإنسان على التكيف مع متغيرات الحياة المتسارعة، ومواجهة ضغوطها وتحدياتها، والحفاظ على التوازن النفسي والعاطفي في ظل عالم تتزايد فيه المؤثرات التقنية والاجتماعية والمهنية، فقد أصبحت التقنيات الحديثة والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءا لا ينفصل عن تفاصيل حياتنا اليومية، وأصبح الإنسان متصلا بالعالم على مدار الساعة، يستقبل الأخبار والمعلومات والصور والتنبيهات دون فواصل واضحة للراحة والهدوء.

والواقع أن هذا التحول أعاد تشكيل مفهوم الصحة النفسية، فأصبح أكثر ارتباطا بقدرة الإنسان على تحقيق التوازن بين حياته الواقعية وحضوره في العالم الرقمي، فالتكنولوجيا ليست في حد ذاتها تهديدا للصحة النفسية، بل هي أداة يمكن أن توفر فرصا مهمة للتعلم والتواصل والعمل والوصول إلى الخدمات والمعلومات، ولكن يظل الإفراط في استخدامها بصورة غير واعية طريقا نحو زيادة التوتر واضطراب النوم وتشتت الانتباه والشعور بالعزلة أو المقارنة المستمرة مع الآخرين.

وقد يظهر تأثير هذه التحولات بصورة أكبر لدى الأطفال والمراهقين، لأنهم ينشأون في بيئة أصبحت التقنية جزءا طبيعيا من تكوينها، فالطفل في سنواته الأولى يحتاج إلى التواصل المباشر مع والديه، واللعب والحركة واكتشاف العالم من حوله، كما يحتاج إلى تعلم التعبير عن مشاعره من خلال التفاعل الإنساني الحقيقي، ولكن  مع انتقاله إلى سن المدرسة قد يصبح الاستخدام المفرط للأجهزة على حساب نومه ونشاطه البدني وتركيزه وتفاعله الاجتماعي، أما في مرحلة المراهقة فتزداد التحديات وتصبح أكثر تعقيدا، إذ يدخل المراهق عالما واسعا من المقارنات الاجتماعية، ويبحث عن القبول والانتماء، وقد يتأثر بما يشاهده من صور ومقاطع تقدم أحيانا حياة مثالية بعيدة عن الواقع، وتكمن حساسية هذه المرحلة في أن شخصية الطفل والمراهق لا تزال في طور التكوين، ولذلك فإن التجارب المتكررة يمكن أن تؤثر في ثقته بنفسه وفي نظرته إلى الآخرين، كما أن الأطفال لا يمتلكون دائما القدرة على التمييز بين الواقع وما يعرض عبر الشاشات، أو إدراك أن كثيرا مما يشاهدونه انتقائي ولا يعكس الحياة الكاملة لأصحابه.

ويظل السؤال هنا: كيف يمكن المحافظة على الاستقرار النفسي؟
لا شك أن الحفاظ على الصحة النفسية في ظل هذه التحديات لا يعني الابتعاد عن التكنولوجيا، وإنما يتطلب استخدامها بوعي وتوازن، وتبدأ المسؤولية من الأسرة، من خلال وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، وتخصيص أوقات يومية تخلو من الشاشات، خصوصا أثناء تناول الطعام وقبل النوم، بما يتيح للعائلة فرصة الحوار والتفاعل المباشر، كما أن النوم الكافي والنشاط البدني والغذاء المتوازن والخروج إلى الأماكن المفتوحة وممارسة الهوايات، كلها عوامل تساعد على بناء نمط حياة أكثر استقرارًا ، ويحتاج الأطفال بصورة خاصة إلى وقت حقيقي للعب والحركة والتواصل مع أقرانهم، بدل أن تصبح الأجهزة وسيلتهم الأساسية للترفيه والتسلية.

ولا يقل الجانب النفسي أهمية عن الجانب السلوكي، فمن الضروري أن يتعلم الأطفال أن التعبير عن مشاعرهم ليس ضعفا، وأن الحزن والخوف والقلق مشاعر طبيعية يمكن الحديث عنها وطلب المساعدة عند استمرارها أو تأثيرها في حياتهم اليومية، وهنا يبرز دور الوالدين والمعلمين في الاستماع إلى الطفل باهتمام، وعدم الاستهانة بمخاوفه أو السخرية منها.

ويبقى تحقيق التوازن بين الصحة النفسية وتحديات العصر أمرا مهما، فالتحدي الحقيقي في زمن التقنية ليس التخلص منها، وإنما تعلم كيفية استخدامها دون أن تتحول إلى بديل عن الحياة الواقعية، فالإنسان يحتاج إلى التكنولوجيا، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى النوم والراحة والحوار والحركة والعلاقات الإنسانية، بعيدا عن الشاشات ورسائل الجوالات، ومن المهم كذلك اكتساب ما يمكن تسميته بـ"الراحة الرقمية"، أي تخصيص فترات ينفصل فيها الإنسان عن أجهزته دون الشعور بأنه مطالب بالاستجابة الفورية لكل رسالة أو إشعار أو خبر، كما ينبغي أن نكون أكثر انتقائية في المحتوى الذي نتابعه، لأن كثرة الأخبار والمقارنات والنقاشات الرقمية قد تستنزف الطاقة النفسية دون أن نشعر.

ختاما.. أصبحت الصحة النفسية مسؤولية فردية وأسرية ومجتمعية في وقت واحد، والتوازن لا يعني أن نعيش بعيدا عن تحديات العصر، بل أن نمتلك الأدوات التي تساعدنا على التعامل معها دون أن نسمح لها بالسيطرة على حياتنا، أما الأطفال فهم بحاجة إلى ما هو أكثر من الأجهزة والتقنيات، إنهم بحاجة إلى الوقت والاهتمام والحوار والأمان والقدوة، فمهما اتسعت مساحة التكنولوجيا في حياتنا، ستبقى هناك أشياء لا تستطيع الشاشات أن تمنحنا إياها، فنحن لا نستطيع إيقاف سرعة هذا العصر، ولا الاستغناء عن تقنياته، لكننا نستطيع أن نختار ألا ندفع ثمنها من سلامنا النفسي، فالتوازن ليس أن نهرب من العالم، بل أن نعيش فيه دون أن نفقد أنفسنا، وسلامة صحتكم.