الرأي

حين تتكامل السوق والجامعة... تكسب الدولة


أثار مقال د. عبدالغني الكندي، المنشور في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان «حين تتقدم السوق وتتراجع الجامعة.. تخسر الدولة»، قضية بالغة الأهمية تتعلق بضرورة التمييز بين الجامعة والشركة، وعدم اختزال قيمة التعليم والبحث العلمي في العائد المالي المباشر. وهي قضية تستحق النقاش؛ فالجامعة ليست منشأة تجارية، والمعرفة ليست سلعة اعتيادية، كما أن البحث العلمي لا يمكن إخضاعه بالكامل لمنطق الربح السريع أو لاعتبارات الطلب الآني. غير أن التمييز بين الجامعة والشركة لا يفترض أن يقود إلى تصور أن أدوات السوق أو مبادئ الكفاءة الاقتصادية تتعارض بالضرورة مع رسالة الجامعة. فالقضية ليست مفاضلة بين المعرفة والاقتصاد، وإنما البحث عن العلاقة الصحيحة بينهما، وتحديد الدور الذي يستطيع كل منهما أن يؤديه في خدمة التنمية والمجتمع.

فالجامعة، إلى جانب دورها المحوري في إنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات وخدمة المجتمع، مسؤولة كذلك عن إدارة مواردها بكفاءة. وهذا التوازن يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم العالي. فمن الطبيعي أن تهتم الجامعات بتكلفة برامجها الأكاديمية، وإنتاجية أنشطتها البحثية، وكفاءة تشغيل مرافقها وخدماتها، وجدوى استثماراتها وشراكاتها. فإذا كان هناك برنامج علمي ذو أهمية استراتيجية للمجتمع، فإن السؤال لا يختزل في مدى ربحيته، بل في كيفية تقديمه بجودة أعلى، وأكثر كفاءة، واستثمار أمثل للمرافق، وبنتائج قابلة للقياس والتقييم. وعند هذه النقطة تصبح الكفاءة أداة لتعظيم الأثر وتحسين الخدمة، لا بديلا عن القيمة العلمية أو المجتمعية.

وتزداد أهمية هذا المفهوم عند النظر إلى الإنفاق العام على التعليم والبحث العلمي. فالأموال التي تخصصها الدولة لهذا القطاع ليست نفقات تشغيلية فحسب، بل استثمار استراتيجي طويل الأجل في رأس المال البشري والمعرفي. ما يتطلب نهجا إداريا يربط بين المدخلات والمخرجات وأكثر انضباطا ووضوحا في تحديد الأولويات وقياس النتائج. ومن هنا، ينبغي تقييم أداء الجامعات على أساس ما تحققه من نتائج مقارنة بالموارد المتاحة لها، لا على مجرد قدرتها على خفض التكاليف. فالجامعة التي تنجح في استقطاب طلاب أكثر تميزا، وتحسين جودة التعليم، وتعظيم أثر أبحاثها العلمية، ورفع كفاءة استخدام مختبراتها ومرافقها، وتسريع إجراءاتها الإدارية، تحقق قيمة أعلى لمواردها، حتى وإن لم تنخفض ميزانيتها.

كما تبرز أهمية إعادة توجيه الموارد من الاستخدامات منخفضة القيمة إلى الأنشطة الأكثر ارتباطا بأهداف الجامعة. فحين تستنزف الإجراءات الإدارية المعقدة وقت أعضاء هيئة التدريس، أو تُهدر إمكانات مرافق مكلفة نتيجة ضعف الاستفادة منها، فإن معالجة هذه الاختلالات ترفع من قدرة الجامعة على التعليم والبحث وخدمة المجتمع. وينطبق الأمر ذاته على الشراكات والاستثمارات؛ فقيمتها الحقيقية لا تقاس بعددها أو حجمها، بل بما تضيفه من قدرات وفرص ونتائج ملموسة للجامعة.

وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى زيادة الاستقلالية والمرونة الإدارية والمالية للجامعات باعتبارها تحولا في أسلوب الإدارة واتخاذ القرار، لا تحولا في طبيعة الجامعة أو رسالتها. فالانتقال من نموذج شديد المركزية إلى نموذج يمنح الجامعات صلاحيات أوسع في إدارة مواردها يتطلب، في المقابل، قدرا أكبر من المسؤولية والقدرة على تحقيق النتائج. ولهذا تصبح المساءلة أكثر أهمية، لا أقل. فكلما اتسعت مساحة القرار، ازدادت الحاجة إلى وضوح الأولويات، وقابلية النتائج للقياس، وربط الموارد بالأثر المتحقق. وبذلك تنتقل الحوكمة من التركيز الحصري على سلامة الإجراءات والامتثال التنظيمي فقط، إلى الاهتمام بجودة القرارات وكفاءة المخرجات.

فالجامعة التي تدير مواردها بحكمة، وتستجيب لاحتياجات مجتمعها، وتستثمر في المعرفة، وتقيس أداءها بموضوعية، تكون أكثر قدرة على الوفاء برسالتها وخدمة أهداف التنمية الوطنية. وفي هذا السياق من المهم التأكيد على أن حماية رسالة الجامعة الأكاديمية لا تعني القبول بالهدر أو البطء أو ضعف المساءلة، كما أن تبني مبادئ الكفاءة لا يعني التخلي عن القيم العلمية والمعرفية.

وعندما تنتظم هذه العناصر في إطار متوازن، تصبح الجامعة شريكا أكثر فاعلية في منظومة التنمية الوطنية، تنتج المعرفة، وتبني رأس المال البشري، وتتفاعل مع الاقتصاد والمجتمع، وتحول جزءا من مخرجاتها العلمية إلى قيمة وطنية مستدامة، مع احتفاظها بدورها التنويري الأوسع الذي يتجاوز حدود منطق السوق. لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الجامعة ستختار السوق أم رسالتها الأكاديمية، بل كيف توظف ما يتيحه السوق من فرص اقتصادية وأساليب تشغيلية في إدارة مواردها بما يعزز أهدافها العلمية والمجتمعية والوطنية. وعندما يتحقق هذا التوازن، تصبح العلاقة بين الجامعة والسوق علاقة تكامل وتفاعل إيجابي، لا علاقة تنافس أو استقطاب. وحين تتكامل السوق والجامعة.. تكسب الدولة.