الرأي

حين نصغي إلى قلوب الشباب

ليست الصحة النفسية للشباب مجرد غياب الحزن أو القلق، بل هي أن يشعر الشاب بأن في داخله مساحة آمنة يستطيع أن يرى فيها نفسه بوضوح وأن يدرك قدراته ويخطئ دون أن ينكسر، ويواجه ضغوط الحياة دون أن يفقد توازنه.

الصحة النفسية أن يعرف الإنسان مشاعره فلا يخجل منها وأن يتعلم كيف يحتوي غضبه وحزنه وخوفه، وكيف يحوّل طاقته الداخلية إلى عمل وطموح وعطاء، وعلاقات إنسانية تمنحه معنى الانتماء.

وفي مرحلة الشباب تتشكل ملامح الإنسان الكبرى، ففيها تتسع الأحلام وتكثر الأسئلة، وتشتد الرغبة في إثبات الذات؛ ولذلك فإن الشاب لا يحتاج إلى من يطالبه بالقوة طوال الوقت بقدر حاجته إلى من يقول له: من حقك أن تتعب ومن حقك أن تتحدث، ولسنا أقل حبّا لك لأنك احتجت إلى المساندة، فالكلمة الطيبة والحوار الهادئ والشعور بالأمان قد تكون أحيانا أعمق أثرا من عشرات النصائح.

هذا وتبدأ رعاية الصحة النفسية من الأسرة، ثم تمتد إلى المدرسة والجامعة والمجتمع؛ فحين يجد الشاب بيئة تحترم إنسانيته وتصغي إلى مخاوفه وتفتح أمامه أبواب المشاركة والإبداع يصبح أكثر قدرة على التعلم والتركيز واتخاذ القرارات وبناء علاقات سوية، ومواجهة عواصف الحياة دون أن تغرقه.

وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من تفاصيل الحياة وجد الشباب فيها نافذة للتواصل والتعلم وتبادل الخبرات وربما ملاذا يجدون فيه من يفهمهم، لكنها قد تتحول إلى مرآة قاسية حين يبدأ الإنسان بمقارنة حياته الواقعية بصور الآخرين المنتقاة، فيرى نجاحاتهم وينسى أن وراء كل صورة حكاية لا تظهر على الشاشة، ومن هنا قد يتسلل الشعور بالنقص والقلق والعزلة، وقد يأتي التنمر الالكتروني ليترك جرحا لا تراه العيون، لكنه يؤلم القلب طويلا؛ لذلك ليست المشكلة في وسائل التواصل ذاتها، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها.

كما يحتاج الشباب اليوم إلى أن يتعلموا فنّ التوازن: أن يغلقوا الشاشة حين تسرق منهم حياتهم، وأن يختاروا ما يدخل إلى عقولهم وقلوبهم، وأن يبتعدوا عن الحسابات التي تستنزفهم، ويتابعوا ما يلهمهم ويرتقي بهم، وأن يمنحوا أنفسهم فترات هدوء بعيدا عن ضجيج العالم الرقمي.

إن حماية الصحة النفسية للشباب واجب أخلاقي، فحين نعلّم أبناءنا أن الاعتناء بالنفس ليس ضعفا، وأن طلب المساعدة ليس عيبا، وأن الاختلاف عن الآخرين لا يعني النقص، فإننا لا نحميهم من الألم فحسب، بل نمنحهم القدرة على النهوض كلما أثقلتهم الحياة، والسير نحو مستقبل أكثر اتزانا ورضا وعطاء.