من موسوليني إلى اليوم.. من يملك الفاشية؟
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠٢٦من أكثر الكلمات استهلاكا في الخطاب السياسي الغربي حاليا في التراشق بين اليمين واليسار كلمة «فاشي». تكاد تستخدم اليوم بوصفها شتيمة سياسية أكثر من كونها توصيفا فكريا له معنى محدد. وفي الولايات المتحدة خصوصا، ألصقت التهمة خلال العقود الماضية بعدد كبير من السياسيين الجمهوريين والمحافظين، حتى أصبح من الصعب أحيانا التمييز بين نقد حقيقي للاستبداد وبين مجرد محاولة لإخراج الخصم من دائرة الشرعية الأخلاقية.
لكن قبل أن نسأل: من هو الفاشي؟ ربما علينا أولا أن نسأل: ما الفاشية أصلا؟
غالبا ما تقدَم الفاشية باعتبارها الابن المتطرف لليمين السياسي. هذه هي الرواية الأكثر انتشارا، لكنها لا تكفي وحدها لفهم الجذور الفكرية للحركة الفاشية الأوروبية في القرن العشرين. فالفاشية لم تنشأ في فراغ، ولم تكن مجرد رد فعل محافظ على الاشتراكية، بل تطورت داخل بيئة أوروبية كانت تعيد التفكير في علاقة الفرد بالدولة والمجتمع والاقتصاد.
هنا يظهر اسم الفيلسوف الإيطالي جيوفاني جنتيلي، أحد أبرز المنظّرين الفكريين للفاشية الإيطالية، والذي ارتبط اسمه لاحقا بنظام بينيتو موسوليني.
جوهر فكر جنتيلي كان رفض الفردانية الليبرالية. لم يكن يرى المجتمع مجموعة من الأفراد المستقلين الذين تحمي الدولة حرياتهم، بل كان ينظر إلى الفرد باعتباره جزءا من كيان سياسي وأخلاقي أكبر، هو الدولة. وبالنسبة إليه، لا تتحقق حرية الإنسان خارج هذا الكيان، وإنما من خلال اندماجه فيه.
وهنا تكمن المسألة الأساسية.
الفاشية، في صورتها التاريخية، لم تكن تدعو إلى حكومة محدودة أو إلى تقليص سلطة الدولة، بل إلى العكس تماما: دولة قوية تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة والمجتمع. وهي رؤية تختلف جذريا عن الفكرة الليبرالية الكلاسيكية التي تقوم على الحد من سلطة الحكومة لحماية الفرد.
موسوليني نقل هذه الفكرة من الفلسفة إلى السياسة. أصبحت الدولة في النظام الفاشي المرجعية العليا، وأخضع المجتمع ومؤسساته لمشروع سياسي واحد تقوده السلطة المركزية. ولم يكن القطاع الخاص مستقلا تماما عن الدولة؛ فقد ظل موجودا، لكنه عمل ضمن أولويات يحددها النظام.
من هنا يصبح اختزال الفاشية في مجرد «يمين متطرف» أمرا يحتاج إلى قدر من المراجعة. فالتاريخ السياسي الأوروبي أكثر تعقيدا من الخط المستقيم الذي نستخدمه اليوم لوصف اليمين واليسار.
صحيح أن الفاشية تصادمت بعنف مع الشيوعية والماركسية، وصحيح كذلك أنها تبنت القومية ورفضت الصراع الطبقي الماركسي. لكن ذلك لا يعني أن بينها وبين التيارات الاشتراكية لم تكن هناك مساحات تشابه، خصوصا في موقفها من الفردانية الليبرالية، وفي مركزية الدولة، وفي إخضاع الاقتصاد لمشروع سياسي أوسع.
ومع ذلك، فإن القفز من هذه الحقيقة إلى القول إن كل توسع في دور الحكومة هو فاشية سيكون خطأ آخر لا يقل تبسيطا عن الخطأ الأول. دولة الرفاه في الديمقراطيات الغربية ليست هي دولة موسوليني، والضرائب أو التأمين الصحي أو التنظيم الاقتصادي لا تجعل النظام فاشيا بصورة تلقائية.
القضية الأهم ليست في توزيع التهم، بل في فهم المبدأ.
الخطر يبدأ عندما تصبح الدولة غاية في ذاتها، وعندما تعتبر حقوق الفرد عقبة أمام «المصلحة العامة»، وعندما يصبح الاختلاف السياسي تهديدا يجب إسكاته، وحين يطلب من المجتمع أن يذوب في مشروع سياسي واحد باسم الأمة أو الطبقة أو أي شعار آخر.
الفاشية ليست مجرد زي عسكري أو تحية شهيرة أو صورة من ثلاثينيات القرن الماضي. جوهرها الأعمق هو تضخم الدولة على حساب الفرد، وتحويل السياسة من أداة لتنظيم المجتمع إلى وسيلة لإخضاعه.
ولهذا، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: من هو الفاشي؟
بل: إلى أي حد الشعوب مستعدة لمنح الدولة السلطة على حياتها، قبل أن تكتشف أن استعادتها أصعب كثيرا من تسليمها؟