غرف الصدى وفقاعات الفلترة وإعادة تشكيل الواقع
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠٢٦ضمن التخيل عزيزي القارئ تخيل شخصين يجلسان في المقهى ذاته يمسك كل منهما هاتفه الذكي ويتصفح المنصات الرقمية ذاتها، غير أن كلا منهما يعيش في واقع إعلامي مختلف، الأول يرى عالما مليئا بالأمل والإصلاح، والثاني يرى عالما يسوده الفساد والانهيار، والفارق هنا ليس في الذكاء أو التعليم عند المتصفح وإنما في الخوارزمية التي تقرر لكل منهما «حقيقته الخاصة ومشاهده المفضلة»، هذا المشهد الافتراضي وفقا لتقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة الرقمية لعام 2025، حقيقي، حيث يفيد 58% من مستخدمي الإنترنت حول العالم بأنهم يجدون صعوبة في التمييز بين الحقيقي والزائف في الفضاء الرقمي، وترتفع هذه النسبة إلى 73% في الولايات المتحدة وأفريقيا، وهذا الارتباك الإدراكي ليس مصادفة وإنما نتاج مباشر لبنية الفضاء الرقمي القائمة على الفلترة والتخصيص.
للعودة للجذور، أطلق الناشط الرقمي إيلي باريزر عام 2011 مفهوم «فقاعة الفلترة» (Filter Bubble) في كتابه الذي حمل الاسم ذاته، محذرا من خطورة الخوارزميات التي تخصص المحتوى بحسب تفضيلات المستخدم، وصاغ باريزر تحذيره بعبارة لا يزال يتردد صداها حتى اليوم «شاشة حاسوبك هي نوع من المرايا أحادية الاتجاه، تعكس اهتماماتك بينما يراقب المراقبون الخوارزميون ما تنقر عليه»، وذهب باريزر إلى أبعد من ذلك محذرا من أن هذه الفقاعات تشكل تهديدا للديمقراطية ذاتها «نحن بحاجة فعلا إلى أن يكون الإنترنت ذلك الشيء الذي نعيش فيه جميعا معا، لكن ما يحدث هو أنه يقسم إلى قطاعات صغيرة ومتجانسة كل منها يغذي نفسه بنفسه».
ما كان مجرد نبوءة فلسفية وتم التحذير منه أصبح اليوم واقعا موثقا بالأرقام، فقد كشفت بيانات عام 2025 أن التضخيم الخوارزمي يشكل 64% من إجمالي التفاعل مع المحتوى المضلل عبر المنصات الكبرى، وهو رقم يجسد بدقة ما حذر منه باريزر قبل 14 عاما.
ويختلف مفهوم «غرفة الصدى» (Echo Chamber) عن فقاعة الفلترة في أنه يركز على البعد الاجتماعي والنفسي أكثر من التقني، فغرفة الصدى هي البيئة التي يسمع فيها الفرد صدى أفكاره ومعتقداته مكررا ومعززا من قبل المحيطين به، سواء أكانوا بشرا أم خوارزميات، ويرتكز هذا المفهوم على ظاهرة نفسية راسخة تعرف بـ«التحيز التأكيدي» وهي الميل الفطري لدى الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاته المسبقة وتجاهل ما يناقضها. وقد وصف عالم النفس الاجتماعي جوناثان هايدت (Jonathan Haidt) هذه الظاهرة بقوله «العقل البشري هو محام، لا قاض، ولا يبحث عن الحقيقة بل يبحث عن حجج تثبت ما يريد أن يعتقده أصلا».
وتعزز الخوارزمية من الانحياز لتضاعف هذا الميل الفطري وتحوله إلى سجن إدراكي، فعندما ينقر المستخدم على محتوى يتوافق مع قناعاته تسجل الخوارزمية هذا التفاعل وتقدم له مزيدا من المحتوى المشابه، مما يضيق دائرة ما يراه تدريجيا حتى تتحول تغذيته الإخبارية إلى مرآة تعكس ما يؤمن به فحسب.
وكشفت وثائق فيسبوك الداخلية التي سربتها فرانسيس هوغن (Frances Haugen) عام 2021، أن الشركة كانت تعلم بأن خوارزمياتها تغذي التطرف والاستقطاب ولكنها أحجمت عن الإصلاح خشية تراجع معدلات التفاعل والأرباح الإعلانية، وصرحت هوغن في شهادتها أمام الكونغرس الأمريكي «فيسبوك يعلم أن محتوى الغضب والانقسام أكثر إثارة للتفاعل، وهو يفضل مصالحه التجارية على سلامة المجتمع».
وضمن التضليل في زمن الأزمات، فقد تبين من جائحة كوفيد 19 أن غرف الصدى حولت الأزمة الصحية إلى كارثة معلوماتية ووصفت منظمة الصحة العالمية ما جرى بـ«الوباء المعلوماتي» (Infodemic)، حيث انتشرت نظريات المؤامرة والعلاجات الوهمية بسرعة تفوق انتشار الفيروس ذاته، وفي عام 2025، لا تزال موجات التضليل الصحي تتكرر، إذ وصلت منشورات تروج لأوهام حول فيروسات مستجدة إلى 9 ملايين مشاركة عبر منصات ميتا.
النموذج الثاني يتمثل في الانتخابات والتلاعب بالإرادة الشعبية، وهي الميدان الأخطر لغرف الصدى، ففي الانتخابات الأمريكية لعام 2024 ارتفعت نسبة المنشورات المضللة على منصة X بنحو 240% في غضون 48 ساعة قبل وبعد يوم الاقتراع، وفي إندونيسيا كشفت دراسة أن 29% على الأقل من المنشورات السياسية على تيك توك خلال انتخابات 2024 تضمنت اقتباسات مزيفة أو مقاطع فيديو تم التلاعب بها.
وفي زمن الحروب تتحول غرف الصدى إلى ساحة معركة سردية موازية، فخلال الصراع في أوكرانيا وتعرّض ما يقارب 1 من 4 مستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي لحملات تضليل مدعومة من دول، وفي سياق التصعيد في غزة عام 2025، رصد توليد أكثر من 13 ألف صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الأول وحده، مما يصعب على المتلقي التمييز بين الوثيقة الحقيقية والمفبركة.
وضمن تأثير غرف الصدى، فقد طرح الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) مفهوم «الفضاء العمومي» (Public Sphere) بوصفه الفضاء الذي يتداول فيه المواطنون الأفكار بحرية وعقلانية للوصول إلى توافق مشترك، وحذر هابرماس في وقت لاحق من أن الفضاء الرقمي يهدد هذا النموذج «الإنترنت يحرر الفرد من قيود الخطاب العمومي المتماسك، لكنه في الوقت ذاته يفتت هذا الفضاء إلى جزر معلوماتية منعزلة لا تتحاور»، ويؤكد تقرير رويترز 2025 هذا التحيز، وأشار إلى أن المؤثرين الرقميين والشخصيات العامة باتوا يشكلون أحد أكبر مصادر التضليل عالميا (47%)، في حين يتراجع دور الصحافة المؤسسية التقليدية، وأشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2025 إلى المعلومات المضللة بوصفها التهديد الأول على المدى القصير للاستقرار العالمي.
وضمن هذا السياق الأكثر عرضة للتضليل كبار السن (65 عاما فأكثر)، إذ يعجز 61% منهم عن التمييز المنتظم بين المحتوى الصحيح والزائف، وفي المقابل يشهد المراهقون (13-17 عاما) ارتفاعا بنسبة 24% في التعرض للمعلومات المضللة، خاصة عبر صيغ «الميمز» على تيك توك وسناب شات، والشاهد هنا أن غرف الصدى لا توزع أثرها بالتساوي بين الفئات العمرية المختلفة.
ختاما، إن غرف الصدى وفقاعات الفلترة ليست مجرد ظاهرة تقنية عابرة بل هي أزمة في صميم الوجود الجمعي للمجتمعات حين يعيش كل مواطن في «حقيقته» الخاصة المصنَّعة خوارزميا، وتتآكل الأرضية المشتركة التي تقوم عليها الحوارات الوطنية، ويصبح التوافق المجتمعي ضربا من المستحيل. والخروج من فخ غرف الصدى لا يمكن أن يتحقق بمجرد إرادة فردية، بل يستلزم تضافر جهود على مستويات متعددة، على مستوى التربية الإعلامية، تمثل مناهج التربية الإعلامية النقدية الخط الدفاعي الأول، فالمستخدم الذي يعرف كيف تعمل الخوارزمية قادر على التعامل معها بوعي أكبر، وعلى مستوى تصميم المنصات يطرح الباحثون مبدأ «التنوع الخوارزمي» (Algorithmic Diversity)، الذي يلزم المنصات بتقديم وجهات نظر متعددة ومتنوعة للمستخدمين بدلا من حصرهم في فقاعة محتوى متجانسة. وقد أوصى تقرير لجنة العلوم والتكنولوجيا في البرلمان البريطاني الصادر في يوليو 2025 بإلزام المنصات بالشفافية الكاملة في آليات عمل خوارزمياتها، وعلى مستوى التشريع يمثل قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA) نموذجا تنظيميا رائدا، إذ يلزم المنصات الكبرى بتقييم المخاطر الناجمة عن خوارزمياتها والإفصاح عنها.