تفاعل

الترجمة الثقافية: المرأة السعودية سفيرة للهوية

بدأت حكاية المرأة السعودية مع أرضها بعلاقة متجذرة، امتدت وتشكلت من قبل أن تصبح حاضرة في المشهد الثقافي اليوم؛ فقد كانت جزءا من تفاصيل أرضها، عاشت إلى جانب الرجل ضيق الحياة ومشقتها، وتعلمت وصنعت احتياجاتها بيديها، حتى أصبحت معرفة تورثها للأجيال ثم تحولت هذه المعرفة مع مرور الزمن إلى عادات وأساليب وذائقة، ثم استقرت في الصورة التي نراها اليوم في الموروث الثقافي السعودي، لتظهر لنا في ملامح نحسبها تراثا، وهي في واقع الأمر نتاج معرفة توارثتها المرأة السعودية ومارستها جيلا إثر جيل.

اليوم، يعد حضور المرأة السعودية جزءا من صناعة المشهد الثقافي. إلى جانب ما شهدته من تمكين في شتى المجالات، فقد شهدت تحولا عظيما من جانب علاقتها بالثقافة وسبر أغوارها، حيث نالت مساحتها الخاصة، وإن شئت المستحقة، التي تمكنها من إعادة قراءته والتعبير عنه وتقديمه؛ باتت اليوم تملك منصة ومعرضا ومرسما واستوديو ومشروعا تجاريا ومساحات ثقافية تستطيع من خلالها أن تنقل تلك المعرفة إلى العالم، وتبني حضورا يمثل جزءا من العملية التي تتشكل من خلالها صورة الهوية السعودية.

وهذا الحضور المتنامي للمرأة السعودية في المشهد الثقافي ما هو إلا محصلة إنجازات أبنائها وبناتها، وطريقتهم في رواية هذا الوطن، والذي يعد أحد ملامح انعكاس التحول الذي تشهده المملكة في تأطير صورتها عالميا. وبالمناسبة، هذه الصورة التي اعتدنا استدعاءها متى أردنا الحديث عن الوطن ليست صورة ثابتة، كما أن الهوية ليست ماضيا نكتفي باستحضاره؛ إنها ذاكرة متجددة تتغير تبعا للزمن، وتظل قادرة على الاستمرار حين يجد كل جيل طريقته في قراءتها وإعادة ترجمتها.

وبمقتضى هذا المنحى تصبح المرأة السعودية سفيرة للهوية؛ فهي صوت يترجمها، وتجربة تعيد اكتشافها، وحضور يمنحها امتدادا جديدا. وحين تعبر عن نفسها، فهي تحمل معها شيئا من المكان الذي شكلها، ومن الذاكرة التي نشأت فيها، ومن القيم التي بلورت رؤيتها، لتعيد من خلال تجربتها تقديم الهوية السعودية.

وهنا تكمن قيمة حضورها الثقافي؛ حيث تترجم ما توارثته، ثم تضيف إليه أثر تجربتها لتقدمها للعالم. لذلك، حين نرى المرأة السعودية اليوم في المشهد الثقافي، لا ينبغي أن نسأل متى نبعت قصتها مع الهوية؟ السؤال الأجدر: إلى أين يمكن أن تصل هذه الحكاية حين تصبح المرأة التي توارثت إرث المكان وذاكرته قادرة على أن تعيد صياغتها للعالم؟ وبين ذاكرة ورثتها، وحاضر تعتمله، ومستقبل تساهم في تشكيله، تفخر المرأة السعودية بهويتها، وتقف وقفة شموخ واعتزاز، لتكمل مسيرة أجدادها في كتابة فصول جديدة من حكايات هذا الوطن.