كي لا ينجو الحوثي بالوقت
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦
قد يخسر الحوثي مواقع، ثم يربح ما هو أثمن منها: الوقت. وقت يعيد فيه ترتيب صفوفه، وينتظر انشغال العالم، ويستثمر خلافات خصومه. لذلك، فإن السؤال الذي يواجه اليمنيين اليوم يتجاوز بدء المعركة إلى قدرتهم على تحويل الظروف المتاحة إلى نتيجة تبقى، وتمنع بلادهم من الدوران في الحلقة ذاتها.
في الرابع من أكتوبر، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة الأراضي ومؤسسات الدولة. وفي اليوم نفسه، أكد التحالف استمرار إسناد القوات اليمنية. وفي الخامس من أكتوبر، أعلن الجيش تنفيذ عمليات في صعدة والجوف وتعز والساحل. وبذلك انتقلت التطورات من مستوى الإعلان السياسي إلى اختبار ميداني مباشر لوحدة القيادة وقدرتها على توظيف الإسناد المتاح. فالمساندة، مهما اتسعت، لا تتحول إلى مكاسب ثابتة ما لم تستند إلى قرار يحدد الأولويات، ويوحد القوات، ويربط التقدم العسكري بمشروع استعادة الدولة.
وتأتي هذه التحركات في بيئة دولية يمكن البناء عليها. ففي الثالث والعشرين من سبتمبر، رحبت الخارجية اليمنية بمواقف دولية تدعم الحكومة وتدين الاعتداءات على المملكة وتهديد الملاحة، بينها موقف رباعي جمع السعودية ومصر وباكستان وتركيا. وقبل ذلك بيوم، أعلنت بريطانيا توفير طائرة للتزود بالوقود جوا لدعم النشاط الدفاعي السعودي، استجابة لطلب المملكة. ولا تكتسب هذه المواقف أهميتها من بعدها الدبلوماسي وحده، بل من كونها توسع دائرة الأطراف التي ترى في استقرار اليمن وحماية المملكة والملاحة مصالح مترابطة.
لكن اتساع المساندة الدولية لا يعفي القوى اليمنية من مسؤوليتها، بل يجعلها أكثر إلحاحا. فهذه الوقائع لا تعني أن العالم منح تفويضا مفتوحا للحرب، أو أن مصالح الدول تطابقت إلى الأبد. إنها تمنح اليمنيين فرصة لتثبيت قضيتهم سياسيا، وتوزيع الأعباء، وتوضيح الصلة بين استعادة الدولة اليمنية وحماية الأمن الإقليمي والتجارة الدولية. ولكي تتحول هذه الفرصة إلى التزام مستمر، لا بد من طرف يمني موحد يستطيع التحدث باسم الدولة، وإدارة المعركة، وضمان أن يذهب الدعم إلى هدف واحد لا إلى حسابات متنافسة.
ومن هنا تبرز أهمية العمل السعودي مع الشرعية في تحويل القضية إلى مسؤولية تتجاوز حدود الجوار. فالسعودية تستطيع الإسناد السياسي والعسكري والدبلوماسي، والمجتمع الدولي يستطيع دعم أمن الملاحة والضغط على مصادر التهديد، لكن توحيد القرار الميداني والسياسي يظل مهمة يمنية. وكلما تعددت مراكز القرار، بدا الدعم الخارجي مؤقتا وقابلا للتبدد، بينما يستفيد الحوثي من الفجوات بين حلفائه وخصومه.
ويؤكد اتفاق ستوكهولم، الموقع عام 2018، هذه الحاجة إلى قرار موحد وضمانات قابلة للتنفيذ. فقد شمل الاتفاق ملفات الحديدة والأسرى وتعز، لكنه أظهر أن التوقيع وحده لا يصنع سلاما مستداما ما لم تحمه آليات تنفيذ ومحاسبة. لذلك، فإن أي تهدئة مقبلة يجب أن تقاس بما تغيره في حياة اليمنيين وقدرة الدولة، وبما تمنعه من تجدد التهديد، لا بمجرد توقف مؤقت للقتال. وهذا يتطلب أن تدخل القوى اليمنية أي مسار سياسي من موقع متماسك، لا كأطراف متجاورة تتنافس على تفسيره ومخرجاته.
أما على الأرض، فإن أول شروط استثمار اللحظة هو توحيد القرار اليمني. تعدد القوى يمكن أن يصبح مصدر قوة حين يجمعه هدف واضح وقيادة منضبطة؛ ويتحول إلى ثغرة حين تتقدم حسابات النفوذ على استعادة الوطن. فالعمليات في صعدة والجوف وتعز والساحل لن تحقق أثرا سياسيا دائما إذا لم تتبعها إدارة موحدة للمناطق المستعادة، وإذا بقيت المؤسسات الأمنية والعسكرية موزعة بين ولاءات متباينة. وكل خلاف يؤجل الحسم يمنح الحوثي مجالا لمناورة جديدة، مهما ارتفع صوت المطالبين بإنهاء انقلابه.
وللسعودية في توحيد هذا المسار مصلحة وطنية واضحة: جوار مستقر، وحدود آمنة، وممرات بحرية لا تخضع للابتزاز. لكن قدرتها على الإسناد ينبغي أن تقابلها مسؤولية يمنية تحمل مشروع الدولة، ومسؤولية دولية تسهم في حماية المصالح المشتركة. فاستمرار استنزاف المملكة لا يجوز أن يصبح الترتيب المريح لمن ينتفع باستقرار المنطقة دون تحمل نصيبه من أعبائه، كما لا ينبغي أن يتحول تعدد القوى اليمنية إلى ذريعة لتأجيل الحسم أو إضعاف الدعم.
وتبقى حماية المدنيين، وتأمين الخدمات، وإدارة المناطق المستعادة اختبارات مبكرة لجدية المشروع الموحد. فالناس ستثق بالدولة حين تجد أثرها في أمنها ورزقها وحقوقها، لا حين ترى تبدل القوى المسيطرة فحسب. لذلك، تحتاج اللحظة الراهنة إلى إنجاز ميداني تحميه مؤسسات، وقرار سياسي يسنده، وشراكة دولية تعرف الجهة التي تتعامل معها. فأخطر ما يمكن أن يربحه الحوثي بعد كل هذا الانكشاف هو فرصة أخرى لانتظار تفرق خصومه؛ وأفضل ما يستطيع اليمنيون فعله هو أن يجعلوا من توحيد القرار شرطا للنصر، لا نتيجة مؤجلة له.
Abdullah_Yabisi@
في الرابع من أكتوبر، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة الأراضي ومؤسسات الدولة. وفي اليوم نفسه، أكد التحالف استمرار إسناد القوات اليمنية. وفي الخامس من أكتوبر، أعلن الجيش تنفيذ عمليات في صعدة والجوف وتعز والساحل. وبذلك انتقلت التطورات من مستوى الإعلان السياسي إلى اختبار ميداني مباشر لوحدة القيادة وقدرتها على توظيف الإسناد المتاح. فالمساندة، مهما اتسعت، لا تتحول إلى مكاسب ثابتة ما لم تستند إلى قرار يحدد الأولويات، ويوحد القوات، ويربط التقدم العسكري بمشروع استعادة الدولة.
وتأتي هذه التحركات في بيئة دولية يمكن البناء عليها. ففي الثالث والعشرين من سبتمبر، رحبت الخارجية اليمنية بمواقف دولية تدعم الحكومة وتدين الاعتداءات على المملكة وتهديد الملاحة، بينها موقف رباعي جمع السعودية ومصر وباكستان وتركيا. وقبل ذلك بيوم، أعلنت بريطانيا توفير طائرة للتزود بالوقود جوا لدعم النشاط الدفاعي السعودي، استجابة لطلب المملكة. ولا تكتسب هذه المواقف أهميتها من بعدها الدبلوماسي وحده، بل من كونها توسع دائرة الأطراف التي ترى في استقرار اليمن وحماية المملكة والملاحة مصالح مترابطة.
لكن اتساع المساندة الدولية لا يعفي القوى اليمنية من مسؤوليتها، بل يجعلها أكثر إلحاحا. فهذه الوقائع لا تعني أن العالم منح تفويضا مفتوحا للحرب، أو أن مصالح الدول تطابقت إلى الأبد. إنها تمنح اليمنيين فرصة لتثبيت قضيتهم سياسيا، وتوزيع الأعباء، وتوضيح الصلة بين استعادة الدولة اليمنية وحماية الأمن الإقليمي والتجارة الدولية. ولكي تتحول هذه الفرصة إلى التزام مستمر، لا بد من طرف يمني موحد يستطيع التحدث باسم الدولة، وإدارة المعركة، وضمان أن يذهب الدعم إلى هدف واحد لا إلى حسابات متنافسة.
ومن هنا تبرز أهمية العمل السعودي مع الشرعية في تحويل القضية إلى مسؤولية تتجاوز حدود الجوار. فالسعودية تستطيع الإسناد السياسي والعسكري والدبلوماسي، والمجتمع الدولي يستطيع دعم أمن الملاحة والضغط على مصادر التهديد، لكن توحيد القرار الميداني والسياسي يظل مهمة يمنية. وكلما تعددت مراكز القرار، بدا الدعم الخارجي مؤقتا وقابلا للتبدد، بينما يستفيد الحوثي من الفجوات بين حلفائه وخصومه.
ويؤكد اتفاق ستوكهولم، الموقع عام 2018، هذه الحاجة إلى قرار موحد وضمانات قابلة للتنفيذ. فقد شمل الاتفاق ملفات الحديدة والأسرى وتعز، لكنه أظهر أن التوقيع وحده لا يصنع سلاما مستداما ما لم تحمه آليات تنفيذ ومحاسبة. لذلك، فإن أي تهدئة مقبلة يجب أن تقاس بما تغيره في حياة اليمنيين وقدرة الدولة، وبما تمنعه من تجدد التهديد، لا بمجرد توقف مؤقت للقتال. وهذا يتطلب أن تدخل القوى اليمنية أي مسار سياسي من موقع متماسك، لا كأطراف متجاورة تتنافس على تفسيره ومخرجاته.
أما على الأرض، فإن أول شروط استثمار اللحظة هو توحيد القرار اليمني. تعدد القوى يمكن أن يصبح مصدر قوة حين يجمعه هدف واضح وقيادة منضبطة؛ ويتحول إلى ثغرة حين تتقدم حسابات النفوذ على استعادة الوطن. فالعمليات في صعدة والجوف وتعز والساحل لن تحقق أثرا سياسيا دائما إذا لم تتبعها إدارة موحدة للمناطق المستعادة، وإذا بقيت المؤسسات الأمنية والعسكرية موزعة بين ولاءات متباينة. وكل خلاف يؤجل الحسم يمنح الحوثي مجالا لمناورة جديدة، مهما ارتفع صوت المطالبين بإنهاء انقلابه.
وللسعودية في توحيد هذا المسار مصلحة وطنية واضحة: جوار مستقر، وحدود آمنة، وممرات بحرية لا تخضع للابتزاز. لكن قدرتها على الإسناد ينبغي أن تقابلها مسؤولية يمنية تحمل مشروع الدولة، ومسؤولية دولية تسهم في حماية المصالح المشتركة. فاستمرار استنزاف المملكة لا يجوز أن يصبح الترتيب المريح لمن ينتفع باستقرار المنطقة دون تحمل نصيبه من أعبائه، كما لا ينبغي أن يتحول تعدد القوى اليمنية إلى ذريعة لتأجيل الحسم أو إضعاف الدعم.
وتبقى حماية المدنيين، وتأمين الخدمات، وإدارة المناطق المستعادة اختبارات مبكرة لجدية المشروع الموحد. فالناس ستثق بالدولة حين تجد أثرها في أمنها ورزقها وحقوقها، لا حين ترى تبدل القوى المسيطرة فحسب. لذلك، تحتاج اللحظة الراهنة إلى إنجاز ميداني تحميه مؤسسات، وقرار سياسي يسنده، وشراكة دولية تعرف الجهة التي تتعامل معها. فأخطر ما يمكن أن يربحه الحوثي بعد كل هذا الانكشاف هو فرصة أخرى لانتظار تفرق خصومه؛ وأفضل ما يستطيع اليمنيون فعله هو أن يجعلوا من توحيد القرار شرطا للنصر، لا نتيجة مؤجلة له.
Abdullah_Yabisi@