معرفة

«القرو».. أحواض ماء تحفظ ذاكرة الصحراء في الحدود الشمالية


تحتفظ منطقة الحدود الشمالية بشواهد تراثية توثق جانبا من حياة الإنسان في الصحراء وطرق تعامله مع موارد المياه، من أبرزها «القرو»، وهي أحواض تقليدية ارتبطت بالآبار وموارد المياه، وأسهمت على مدى عقود في تنظيم السقيا وتوفير المياه للإنسان والماشية.

وأوضح المرشد السياحي والمهتم بالتاريخ والآثار لـ(واس) خلف جبل الغفيلي أن «القرو» يمثل أحد العناصر المرتبطة تاريخيا بموارد المياه في البيئات الصحراوية، إذ ينشأ بالقرب من فوهة البئر لاستقبال المياه المستخرجة بالدلو، وحفظها موقتا قبل استخدامها في السقيا، خصوصا للماشية.

وبين أن الأحواض كانت تنشأ بأحجام وأشكال مختلفة وفق الحاجة وكميات المياه المستخرجة، وقد يحيط بالبئر الواحد أكثر من حوض، بما يتيح تنظيم عملية الشرب وتخفيف الازدحام حول فتحة البئر، ويحافظ في الوقت نفسه على مورد المياه من التلف أو التخريب.

وأشار إلى أن «القرو» كان يبنى بطرق تقليدية تتلاءم مع طبيعة المكان؛ فمنه ما ينحت في الصخور القريبة من مورد الماء، ومنه ما يشيد بالحجارة والطين، في صورة تعكس خبرة سكان الصحراء في استثمار المواد المتاحة والتكيف مع البيئة والمحافظة على الموارد.

وأفاد بأن بعض الأحواض «القرو» كانت تصمم على قسمين، أحدهما أصغر والآخر أكبر تفصل بينهما فتحة تستخدم للتحكم في تدفق المياه بحسب الحاجة، فيما خصص القرو المستطيل لشرب الإبل بما يتيح لها الانتظام في الورود ويحد من تزاحمها، بينما صمم القرو المربع للماشية، ومنها الأغنام والماعز.

وأوضح أن هذا التنوع في تصميم الأحواض يعكس دقة المعرفة المحلية في إدارة موارد المياه، وبساطة الوسائل التي اعتمد عليها السكان لتنظيم الاستفادة من الآبار، وهي خبرات توارثتها الأجيال وتكيفت مع طبيعة البيئة واحتياجات الإنسان والماشية.

وتضم منطقة الحدود الشمالية عددا كبيرا من الموارد المائية والآبار التي ما تزال تحيط بها نماذج من هذه الأحواض، ومن أبرزها الدويد، والهبكة، وقيصومة فيحان، وحدق الجندة، وأعيوج لينة، والمصندق، والخشيبي، وقليب غنيم، والحفيرة، وزبالا، وغيرها من المواقع التي ارتبطت بتاريخ القبائل وحركة السكان في المنطقة، وشكلت لسنوات طويلة محطات رئيسة للتزود بالمياه.

ويجسد القرو جانبا من الموروث الشعبي المرتبط بحياة البادية؛ إذ لم يكن مجرد حوض لحفظ الماء، بل وسيلة لتنظيم مورد المياه وضمان الاستفادة منه، وشاهد على أنماط من التعاون والتكيف مع البيئة الصحراوية، التي قامت على حسن إدارة الموارد واستدامتها وخدمة الإنسان والحيوان معا.

وتكتسب هذه الأحواض أهمية تراثية بوصفها جزءا من المشهد المرتبط بالآبار القديمة، وما تحمله من دلالات على تاريخ الاستقرار والتنقل وطرق العيش في شمال المملكة، لتبقى شواهد صامتة على مرحلة شكل فيها الماء محورا أساسيا للحياة في الصحراء.