وادي العسيلة.. نقوش وآبار توثق طرق الحج وتطور الخط العربي
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦يحتفظ وادي العسيلة، شمال شرق مكة المكرمة، بأكثر من 60 نقشا إسلاميا وبئرين تاريخيتين قائمتين من أصل 4 آبار، وتقدم هذه الشواهد سجلا للنشاط البشري، وتطور الخط العربي، وحركة قوافل الحجاج على الطرق القديمة المؤدية إلى العاصمة المقدسة.
ويقع الوادي عند حد الحرم من جهة الجعرانة، ويمتد بين منطقتي البرود والأبطح، بمحاذاة الشرائع من الجهة الشمالية الغربية، من ريع النقراء إلى ريع أم السلم، بطول يصل إلى نحو 6 كلم، وعرض يقارب كيلومترين. وعرفت منطقة العسيلة قديما بشعب بني عبدالله بن خالد بن أسيد، نسبة إلى عبدالله بن خالد بن أسيد، الذي تولى إمارة مكة المكرمة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وتنتشر النقوش على صخور جبال الوجرة وصخرة القمع، وتتركز في 3 جبال، هي: الوجرة الكبير، والوجرة الصغير، وجبل أبو سرة. وتعود إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، الموافقين للقرنين السابع والثامن الميلاديين.
ويبرز بين هذه النقوش نقش باسم صفية بنت شيبة بن عثمان، وآخر باسم محمد بن عبدالرحمن بن هاشم، ويعود كلاهما إلى القرن الأول الهجري. وتمنح الأسماء والكتابات التي تحملها النقوش قيمة تاريخية وعلمية، إذ توثق جانبا من الحياة في صدر الإسلام، وتساعد على دراسة تطور الكتابة والخط العربي خلال تلك المرحلة.
وشكل وادي العسيلة منذ القدم ممرا طبيعيا للتنقل وقوافل الحجاج، وارتبط بالطرق التاريخية المؤدية إلى مكة المكرمة، ولا سيما طريق القوافل القادمة من العراق؛ مما أكسبه أهمية بوصفه محطة على مسارات الحج، وأسهم في ازدهار الحركة البشرية في محيطه.
وحظي الوادي، عبر الحقب التاريخية، باهتمام خلفاء وسلاطين المسلمين وأمراء مكة المكرمة، الذين حرصوا على توفير المياه الصالحة للشرب للحجاج والمسافرين، فأنشئت بالقرب من مواقع النقوش آبار لم تكن المسافة بين بعضها تتجاوز 200 م.
ويضم الوادي حاليا بئرين تاريخيتين قائمتين من أصل 4 آبار، فيما تشير المصادر التاريخية إلى اهتمام الدولة العباسية بتوفير المياه لقوافل الحجاج في المنطقة، ومن شواهد ذلك آبار أمر بحفرها في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله؛ بما يؤكد الدور الحيوي الذي أداه الوادي ضمن منظومة طرق الحج التاريخية.
وتمنح النقوش والآبار، بتنوعها الزمني والمضموني، وادي العسيلة قيمة علمية وثقافية تسهم في توثيق التاريخ الحضاري لمكة المكرمة، ودراسة تطور الخط العربي، والتعرف على حركة الإنسان وطرق الحج القديمة.
كما تبرز أهمية صون هذه الشواهد من عوامل التعرية والعبث، بوصفه جزءا من الذاكرة التاريخية لمكة المكرمة، ومصدرا معرفيا للباحثين والمهتمين بالتاريخ والآثار.
وفي هذا الإطار، تعمل الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة على تنفيذ استراتيجية متكاملة لصون المواقع التاريخية والأثرية وتحويلها إلى وجهات ثقافية مستدامة، بما يتيح للزوار التعرف على تاريخ العاصمة المقدسة، ويواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030 في المحافظة على الموروث الوطني وإثرائه.