الرأي

في ذكرى رحيل أمي

ثلاثة أعوام مرت على رحيل أمي - رحمها الله - كانت فاجعة لي، لم أستوعب تلك الفاجعة إلا عقب انتهاء مراسم العزاء. عدت إلى منزلي، وإذا به خاو من تلك الروح التي كانت تظلله وتسكنه وتساكنه، لم يعد به ذلك القلب الذي كان ينبض بحب الجميع. أسرتي اجتاحها معنى الفقد، وأصبحت تعاني ويلات فراغ إنساني كانت أمي تملؤه. عرفت معنى الفراغ، وعرفت أيضا كيف يكون ذاك الفراغ مكتظا بكل ذلك الحنين لذلك الدفء العجيب؛ دفء أمي وبركتها.

كانت أمي حضانة أولى، ثم مدرسة، ثم جامعة. دفعت بي للحياة، فكانت الجبل الذي استندتُ إليه. سقط الجبل، فعدت للدراسة من جديد؛ غاب الأستاذ، وبقيت مآثره راسخة في الصميم.

كانت أمي تتابع دراستي وتسألني عن أدق تفاصيل ما أخذت وما لم آخذ؛ على الرغم من أنها كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها كانت تشد من أزري. كانت تقوم على رأسي وتطلب مني أن أحل واجبي، ثم تنظر إلى خطي ومدى استقامته على السطر ووزنه واتزانه. ما كانت تعرف الكلمات، ولكنها كانت تنظر إلى الورقة كاملة، تنشد ذلك الوزن الأنيق الذي كان بداخلها، والذي من خلاله كانت ترى مدى إتقاني من عدمه. كان الوزن بالنسبة لها استقامة الأحرف على السطر، وكان قمة الإبداع عندها عندما يكون الحرف قد أخذ حقه من الشكل والتشكيل، لتعتمد ذلك النص كاملا قبل أن أدفع به واجبا دراسيا.

كانت تعلمني الصلاة وقصار السور، وتطلب مني أن أحرص على صلاتي؛ لأنها فلاحي وتوفيقي. بقي وعظها في داخلي؛ كونه هو الأقوى، كونه كان ممزوجا بعاطفة الأم ولسان الصدق الذي يريد لي الخير ولا شيء سوى الخير.
كبرت وعبرت المراحل الدراسية، وتوظفت، ثم تزوجت، ثم رزقت بالأولاد. كانت ترى فيهم امتدادا لي، وكانت ترى في حبهم امتدادا لتلك القصة التي بدأتها معي.

كان أولادي يشاركونها الحب، وكانوا يرون فيها الملاذ والمأوى. كان أولادي يكبرون، ويكبر حب أمي في قلوبهم، وكانت أمي تعيد إنتاج ذاتها حبا ورفقا وحنانا مع هذا الجيل الجديد الذي ارتبط بها، فشاركها الحب وبادلها المشاعر والشعور.

ثلاثة أعوام مرت على رحيل أطهر قلب عرفته، ثلاثة أعوام ما زلت أعيش فيها معاني الفقد، ثلاثة أعوام وأنا أعيد إنتاج تلك المشاعر الدفينة التي كانت حاضرة وقت حضور أمي، وما زادها الفراق إلا أن تحيا من جديد لأعيشها كل وقت وكل حين؛ ذكرى وذكريات، حبا وأملا وأمنيات، ودعوات صادقات بأن يحفظ أمهاتكم الجميلات، وأن يرحم أمي ويجمعني بها في مستقر رحمته، في مقعد صدق منتظر عند مليك مقتدر.

alaseery2@