الرأي

الحوثي يستهدف المقدسات



إن استهداف ميليشيا الحوثي للمدينة المنورة لا يمثل توسعا في جغرافيا الهجوم بقدر ما يمثل محاولة خطيرة لتغيير حدود الصراع نفسه. فحين تنتقل المسيرات من استهداف المصالح والمنشآت إلى مدينة تحتضن المسجد النبوي فإن المسألة لم تعد اختيار هدف جديد بل اختبار خط أحمر جديد. والهدف الاستراتيجي هنا قد يتجاوز ما تستطيع المسيرة تدميره إلى ما يستطيع وصولها أن يفرضه من واقع جديد.

وهنا تكمن خطورة الاعتداء، لأن الحوثي لا يحتاج إلى إحداث دمار واسع حتى يحقق أثرا استراتيجيا. يكفي أن يحاول تحويل الاقتراب من المقدسات إلى أمر قابل للتكرار حتى تصبح قدسية المكان نفسها جزءا من معادلة الضغط. ولذلك فإن المعيار الحقيقي لخطورة الهجوم ليس حجم الأضرار بل السابقة التي يسعى إلى صناعتها. لأن تصبح مكة المكرمة والمدينة المنورة ضمن المجال الذي يعتقد الحوثي أنه يستطيع استخدامه لرفع كلفة المواجهة على المملكة.

وهذا يفسر لماذا تصبح معادلة الردع أهم من معادلة الاعتراض. لأن نجاح الدفاعات في إسقاط الصواريخ والمسيرات يحمي الهدف لكنه لا ينهي مصدر التهديد. أما الردع الحقيقي فيبدأ عندما تصبح كلفة امتلاك القدرة على تهديد المقدسات واستخدامها أعلى من أي مكسب يتصور الحوثي تحقيقه منها. عندها تنتقل المواجهة من مطاردة المقذوف بعد إطلاقه إلى تفكيك المنظومة التي أنتجته ومولته وسلحته وحددت له الهدف.

والأعمق من ذلك أن استهداف المدينة المنورة يكشف مأزق المشروع الحوثي نفسه. فكلما اتسعت قدرته العسكرية ضاقت المسافة بين شعاراته وبين حقيقة مشروعه. جماعة ترفع راية الدفاع عن قضايا المسلمين ثم توجه سلاحها إلى مدينة رسول الله لا تواجه أزمة في الخطاب فقط بل تكشف أن المقدس لديها قابل للتوظيف السياسي وقابل للتجاوز العسكري عندما تقتضي المصلحة.

لهذا فإن ما جرى ليس حادثة ينبغي أن تنتهي بانتهاء آثارها. لأنه إنذار استراتيجي بأن الخطر الحوثي بلغ مرحلة أصبح فيها قادرا على محاولة نقل الصراع إلى أكثر الجغرافيا الإسلامية حساسية. ومن هنا تصبح حماية المدينة المنورة ومكة المكرمة أكبر من مهمة دفاع جوي. إنها معادلة ردع يجب أن تجعل المقدسات خارج بنك الأهداف ليس لأنها عصية على الوصول فحسب بل لأن مجرد التفكير في استهدافها يجب أن يصبح باهظ الكلفة سياسيا وعسكريا واستراتيجيا.