الرأي

عندما يكون النقد مهنيا في ظاهره... شخصيا في جوهره

في بيئات العمل، هناك أشخاص مبادرون، يقدمون الأفكار، يقترحون الحلول، ويحاولون دائما تطوير العمل. ومن الطبيعي أن تناقش أفكارهم، وأن تقبل بعضها وترفض أخرى.

لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في الفكرة أصلا، وإنما في صاحب الفكرة؟

أحيانا تطرح فكرة من شخص معين، فتبدأ الاعتراضات، وتستخرج عيوبها، وتناقش تفاصيلها، ويقال إنها غير مناسبة. ثم تظهر الفكرة نفسها أو ما يشبهها من شخص آخر، فتجد القبول والترحيب، وهنا يصبح السؤال: هل تغيرت الفكرة، أم تغير صاحبها؟

والأمر لا يقتصر على الأفكار فحسب؛ فقد يُنتقد عمل ما لمجرد أن شخصا بعينه هو من قام به. فتُبحث عيوبه بدقة، وتفسر تفاصيله بأشد التأويلات، بينما لو صدر العمل نفسه من شخص آخر، لربما نظر إليه بصورة مختلفة.

وعندما يواجه أصحاب هذا النوع من النقد، تأتي العبارة المشهورة (نحن لا ننتقد الشخص، وإنما ننتقد الفكرة) عبارة تبدو مهنية ومنطقية، لكنها أحيانا لا تكون إلا غطاء وتبريرا لموقف شخصي.

فالنقد المهني الحقيقي لا يتغير بتغير اسم صاحب الفكرة، إذا كانت الفكرة غير مناسبة، فهي غير مناسبة بصرف النظر عمن قدمها. وإذا كان العمل يحتاج إلى تعديل، فالحاجة إلى التعديل لا تتغير بتغير اسم من أنجزه.

ولذلك، ربما يكون الاختبار الأبسط والأكثر عدلا: لو أزلنا اسم صاحب الفكرة من أمامنا، هل سنصدر الحكم نفسه؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن ننتقد الفكرة.

أما إذا تغير الحكم بمجرد معرفة صاحبها، فربما لم يكن النقد للفكرة من البداية.

المشكلة هنا ليست في رفض فكرة، ولا في ممارسة النقد؛ فالنقد ضرورة في أي بيئة مهنية. المشكلة أن يتحول النقد إلى وسيلة مستترة للتعامل مع الأشخاص، وأن يستخدم الخطاب المهني لإخفاء موقف شخصي.

والنتيجة الأخطر أن يتعلم المبادرون مع الوقت أن طرح الأفكار قد يجعلهم هدفا للنقد، وأن الصمت أكثر أمانا من المبادرة.

وعندها لا نخسر فكرة واحدة فقط، بل نخسر روح المبادرة نفسها.