البلد

البن السعودي.. قطاع صاعد من المزرعة إلى سلاسل القيمة العالمية

يتحول البن السعودي تدريجيًا من محصول ذي ارتباط تاريخي بالمناطق الجبلية إلى قطاع اقتصادي تتكامل حوله منظومة تشمل الإنتاج والبحث والتطوير والإرشاد والتمويل والتصنيع والتسويق، مدفوعة بتوسع الاستثمارات والبرامج الحكومية، وارتفاع أعداد الأشجار والمساحات المزروعة، واستهداف رفع الإنتاجية والقيمة المضافة.

وتشير بيانات 2026 إلى تجاوز عدد أشجار البن المثمرة 1.3 مليون شجرة في جازان وعسير والباحة ومكة المكرمة ونجران، بإنتاج يتجاوز 870 طنًا من البن الصافي سنويًا. وتستحوذ جازان على النصيب الأكبر بأكثر من 966 ألف شجرة مثمرة وإنتاج يتجاوز 642 طنًا، فيما تضم عسير أكثر من 243 ألف شجرة بإنتاج يقارب 175 طنًا.

ولا تعكس هذه الأرقام اتساع القاعدة الزراعية فحسب، بل تشير إلى انتقال التركيز تدريجيًا من زيادة أعداد الأشجار إلى رفع إنتاجية الشجرة وجودة المحصول وتعظيم العائد الاقتصادي للمزارع، عبر تطوير الشتلات، وتحسين إدارة المياه، ورفع كفاءة الممارسات الزراعية، وتطوير عمليات ما بعد الحصاد والتصنيع والتسويق.

الدعم يتحول إلى سلسلة إنتاج
أسهمت برامج التنمية الزراعية في توسيع قاعدة المنتجين والبنية المرتبطة بالقطاع. وأعلنت «ريف السعودية» في أبريل 2024 دعمًا تجاوز 61 مليون ريال استفاد منه 3718 مستفيدًا، فيما ارتفع إنتاج البن من نحو 800 طن في 2020 إلى 1485 طنًا في 2023، مع مستهدف تطويري للوصول إلى 7000 طن سنويًا في 2026، وهو مستهدف لا يمثل الإنتاج الفعلي الحالي.

وامتد الدعم إلى المشاتل والمزارع النموذجية والحصاد الميكانيكي والجمعيات ومراكز التسويق وحصاد مياه الأمطار وإنشاء الخزانات وتمكين صغار المزارعين، إلى جانب دعم مصانع إعداد وتجهيز البن في الباحة وعسير وجازان؛ بما يدفع القطاع من بيع المحصول الخام إلى تطوير سلسلة قيمة تمتد إلى المنتج النهائي.

عسير.. توسيع القاعدة الإنتاجية
تستهدف عسير زراعة مليون شجرة بن جديدة خلال 2026–2028 ضمن مبادرة «تنمية الجبال المنتجة»، بعد زراعة أكثر من 634 ألف شجرة خلال 2022–2025.

وتتجاوز المساحات المزروعة بالبن في المنطقة 7000 هكتار موزعة على 14 محافظة، بأكثر من 1400 مزرعة نشطة، فيما تقدر الطاقة السنوية بنحو 1500 طن من ثمار البن و500 طن من البن الأخضر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع قاعدة الإنتاج وإمكانات تحويل الزراعة الجبلية إلى نشاط اقتصادي أكثر تنظيمًا، يرتبط بالمزارع وسلاسل الإمداد والخدمات الزراعية والتصنيع والأسواق.

الباحة.. بنية تحتية للإنتاج
وفي الباحة، تمثل مدينة البن التنموية في معشوقة أحد المشروعات الداعمة للبنية الإنتاجية؛ إذ تمتد على مساحة تقارب 1.662 مليون متر مربع وتضم نحو 500 ألف شجرة، بطاقة إنتاجية تقديرية تصل إلى 2500 طن من البن الأخضر سنويًا عند اكتمال المستهدفات.

ولا تزال نسبة من الأشجار في مراحل النمو، ما يجعل الأثر الاقتصادي الكامل للمشروع مرتبطًا بدخول الأشجار مراحل الإنتاج خلال السنوات المقبلة.

الاستثمار يبدأ من الشتلة
وفي جازان، تتكامل أدوار الجهات الزراعية والتنموية والبحثية والتمويلية، من بينها الإدارة العامة للأبحاث والإرشاد الزراعي، والإدارة العامة للثروة النباتية، ومركز إنتاج البذور والتقاوي والشتلات، وبرنامج تطوير زراعة البن، و«ريف السعودية»، وصندوق التنمية الزراعية، ومجلس الجمعيات التعاونية، و«استدامة»، و«وقاء»، ومبادرة تأهيل المدرجات الزراعية، إلى جانب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وجامعة جازان، وهيئة تطوير وإعمار المناطق الجبلية، والشركة السعودية للقهوة.

ويغطي هذا التكامل مراحل متعددة من سلسلة القيمة، تبدأ بالمادة الوراثية والشتلة واختيار الموقع، وتمتد إلى إدارة المياه والتسميد وحماية النبات والحصاد والتجفيف والتخزين والتجهيز والتصنيع والتسويق.

الإرشاد.. المعرفة في قلب الإنتاج
ويشكل الإرشاد الزراعي أحد محاور رفع كفاءة القطاع، من خلال نقل المعرفة والتقنيات إلى المزارعين عبر القنوات الرقمية والزيارات الميدانية والحقول الإرشادية والقوافل والورش.

وأوضح الدكتور بندر بن محمد الصقهان، مدير عام الإدارة العامة للإرشاد الزراعي، أن توظيف التقنيات الحديثة والقنوات الرقمية، إلى جانب العمل الميداني، يسهم في تشخيص المشكلات ورفع كفاءة الإنتاج.

وفي تجربة «مرشدك الزراعي»، تجاوز عدد الاستشارات المقدمة 7 ملايين استشارة عبر التطبيق، بما يعكس اتساع نطاق الخدمات الإرشادية الرقمية.

وتتيح المنظومة الاستشارات المباشرة، والمرشد الذكي، وطلبات زيارة المزرعة، والتحاليل الزراعية، ومعلومات الطقس والأسواق، بما يجعل المعرفة الزراعية جزءًا مباشرًا من قرارات الإنتاج.

البحث والتطوير.. جودة تبدأ من الشجرة
وفي مجال البحث والتطوير، يعمل مركز «استدامة» على تطوير تقنيات الإكثار وتحسين المواد النباتية الملائمة للبيئة المحلية. وأعلن المركز في سبتمبر 2026 تطوير ونمذجة أربعة بروتوكولات لزراعة الأنسجة لأصناف رئيسية من البن السعودي، وتسليم مزارعي الباحة 19 ألف شتلة منتجة بتقنية زراعة الأنسجة، بالتوازي مع العمل على تسجيل صنف نباتي جديد واستكمال الإجراءات لصنف آخر.

ويمثل تحسين جودة الشتلات وحفظ الموارد الوراثية والتحسين النباتي وتوظيف تقنيات الزراعة الذكية أحد مسارات رفع إنتاجية القطاع، خصوصًا مع اتساع المساحات والأعداد المزروعة.

المياه.. شرط استدامة النمو
ويرتبط التوسع في زراعة البن بكفاءة استخدام المياه، خصوصًا في البيئات الجبلية. وتتقاطع برامج القطاع مع مبادرات حصاد مياه الأمطار وإنشاء الخزانات ورفع كفاءة الري وإعادة تأهيل المدرجات الزراعية في الباحة وعسير وجازان والطائف.

ومع ارتفاع أعداد الأشجار، تتحول كفاءة استخدام المياه من عامل مساعد إلى عنصر اقتصادي رئيسي لاستدامة التوسع الزراعي، وخفض تكلفة الإنتاج، وتعظيم العائد من الموارد.

القيمة المضافة تبدأ بعد الحصاد
ولا تنتهي فرص النمو عند إنتاج الحبوب؛ إذ تمثل عمليات الفرز والتجفيف والتقشير والتدريج والتخزين، ثم التحميص والطحن والتعبئة والتسويق، مراحل رئيسية لتعظيم القيمة المضافة.

كما تمنح هوية البن السعودي، وفي مقدمتها البن الخولاني، المنتج فرصة للتميز في سوق البن المتخصص وربطه بمصدره الجغرافي، وفتح مسارات إضافية أمام السياحة الزراعية وتجارب المزارع والتذوق والمهرجانات والمقاهي المتخصصة والمنتجات المرتبطة بالهوية المحلية.

الاختبار المقبل.. العائد لا عدد الأشجار
ومع تجاوز 1.3 مليون شجرة مثمرة، تدخل صناعة البن السعودي مرحلة يرتبط فيها النمو بصورة أكبر بالإنتاجية والجودة والقيمة المضافة. فزيادة عدد الأشجار تؤسس للقاعدة الإنتاجية، لكن تعظيم العائد يتطلب رفع إنتاجية الهكتار والشجرة، وتحسين الجودة، وخفض فاقد ما بعد الحصاد، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتطوير التصنيع والتسويق.

وتتقاطع في هذه المرحلة أدوار المزارع مع منظومات البحث والإرشاد والتمويل وحماية النبات والمياه والتعاونيات والتنمية الجبلية والتصنيع والتسويق.

وبذلك تتشكل أمام البن السعودي سلسلة قيمة تبدأ من المادة الوراثية والشتلة، وتمر بالمزرعة، وتنتهي بمنتج ذي قيمة مضافة وقدرة تنافسية في السوق؛ لتتحول شجرة الجبل من محصول تقليدي إلى أصل اقتصادي يرتبط بالاستثمار والمعرفة والاستدامة والأسواق.