الرأي

الخبر المكتنز بالمؤامرات

لم تعد مشكلة الجيل الحالي أن الخبر قد يكون كاذبًا، بل أن تكون الحقيقة نفسها مصنوعة على هيئة طبقات من الروايات الخبيثة، تُحاك بمهارة تجعل الوصول إلى جوهرها أشبه بالبحث عن إبرة في بحر لُجي.

حادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب تقدّم نموذجًا فائق الحساسية، يجعل العقل يضحك ويهرش قبل أن يفكّر.

طائرة تحمل نحو 170 راكبًا، في طريقها إلى إسرائيل، تدخل في حادث خطير داخل قمرة القيادة فوق الأجواء الأردنية، وتهبط هبوطًا حادًا، ثم تغيّر مسارها، وتُرسل إشارات طوارئ، وتتوجه للهبوط في مدينة تبوك السعودية، بدماء طيارين اختلفت الروايات حول جنسياتهما ودوافعهما، وكابينة اقتحمها ركّاب لا تعرف كيف تغلبوا على كل الظروف.

هناك تستقبلها السعودية، ويعلن المطار الطوارئ، وينقل الطياران المصابان إلى المستشفى، بينما يُعتنى بالركاب وتُؤمَّن لهم طائرة بديلة تُقلّهم إلى تل أبيب.

السعودية لا تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل، والطائرة كانت متجهة لتل أبيب، وعلى متنها إسرائيليون، ومع ذلك لم تتردد المملكة: لم تسأل من هؤلاء؟ ولا إلى أين كانوا ذاهبين؟ كان السؤال الوحيد: كيف ننقذ الأرواح؟

هذه أخلاق السعودية بتقديم الإنسانية على السياسة.

وبعد إنقاذ الأرواح بدأت الأسئلة التي لا يمكن الهروب منها.

فماذا تفعل دولة استقبلت طائرة في حالة طوارئ، وداخلها طياران مصابان؟

هل تعالجهما، أم تعيدهما إلى الجهة التي جاءا منها؟

أم أن وجودهما داخل الأراضي السعودية، بعد حادث أمني بهذه الخطورة، يجعل من حق السلطات السعودية أن تفتح كل الأبواب المغلقة داخل القمرة؟

حكومة إسرائيل سارعت إلى تقديم روايات متخالفة، واتهامات متسرعة عن محاولة لإسقاط الطائرة، بينما قالت «فلاي دبي» إن الأسباب ما زالت مجهولة وتخضع للتحقيق.

التقارير الإسرائيلية حملت تناقضات بشأن جنسية الطيارين وطبيعة ما حدث داخل القمرة بنسج للمؤامرات ودفعًا بالمظلومية.

فهل كان ما حدث اعتداءً فرديًا؟ أم محاولة اختطاف؟ أم محاولة لإسقاط الطائرة؟ أم حادثًا أمنيًا تضخمت رواياته قبل اكتمال التحقيق؟

وماذا لو كان وراء المشهد طرف يريد إثبات أن الطيران إلى إسرائيل يمثل منتهى الخطورة؟

أو طرف يريد تحميل دولة بعينها المسؤولية؟

أو أن جهة استخباراتية تستثمر حادثًا حقيقيًا لصناعة قصة سياسية تنتج ردًا أكبر من الحادث نفسه؟

بل ماذا لو كانت بعض الروايات صحيحة، وبعضها الآخر زُرع عمدًا لإرباك المشهد؟

هنا لا يجوز الحكم قبل التحقيق، لكن يجوز لنا أن نتساءل.

واللافت أن السعودية لم تسمح، بحسب تقارير، لطائرة إسرائيلية بإجلاء الركاب من أراضيها، فتم إرسال طائرة بديلة من «فلاي دبي».

وهكذا وجدت المملكة نفسها في قلب حادث لم تشارك بصنعه، وفي موقع كان عليها فيه أن تنقذ الإنسان، مع المحافظة على سيادتها، فتعاملت مع التحقيق، دون أن تسمح للحادث أن يفرض عليها موقفًا سياسيًا لم تختره.

وهنا تكمن خطورة هذا الزمن:

فقد يقع الحادث في دقائق، لكن رواياته قد تستمر بالتكاثر، وتتمدّد، وتُقصّ وتُزاد، بما يخدم الطرف المستفيد الذي رسم الخطة.

اليوم أصبحت المعلومة سلاحًا، والمؤامرة تذاكيًا، والعقل يسأل: ماذا حدث فعليًا؟

ومن يريدنا أن نصدّق أنه حدث؟

وما التبعات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية التي ستتبع حدوثه؟