جودة بلا ضجيج.. لماذا تحتاج الجامعات فرقا متخصصة لإدارة ملف الجودة والاعتماد؟
الخميس، ١ أكتوبر ٢٠٢٦
إذا تأملنا مخرجات التعليم الجامعي اليوم، وقارناها بما كانت عليه قبل عقود من الزمن، فمن الصعب القول إنها تميزت بشكل لافت رغم الانتشار الهائل في أنظمة الجودة ومعايير الاعتماد الأكاديمي التي اكتسحت صروح التعليم العالي بقوة مؤخرا. ففي المنطقة العربية وحدها، تجاوز عدد المؤسسات الحاصلة على اعتماد مؤسسي أو برامجي الـ300، مع سعي حثيث من البقية للحاق بهذا الركب، فيما تشير التقديرات إلى وجود ما يقارب 40 هيئة اعتماد وضمان جودة تعمل على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. وقد أشرنا في مقال سابق في هذه الصحيفة (مكة: 18 مايو 2026م) إلى الآراء المختلفة حول هذه الممارسة، لكن ما يهمنا اليوم هو التحديات العملية التي تترتب على تحول أنظمة الجودة والاعتماد إلى واقع مؤسسي راسخ، والتي تستدعي وقفة جادة بعيدا عن الجدل النظري.
فمنذ أن أصبحت الجودة والاعتماد جزءا من العمل اليومي في الجامعات، أضيفت إلى مسؤوليات الأستاذ أعباء جمع البيانات وتعبئة النماذج وإعداد التقارير، وهي مهام تتطلب مهارات في التحليل الإحصائي وتصميم قواعد البيانات، لا تشكل جزءا من التأهيل الأكاديمي المعتاد، مما يضطر الأستاذ إلى إهدار جزء من وقته الثمين في تعلم تقنيات لإنجاز مهام من المفترض أن يتولاها موظفون متخصصون. وفي جامعاتنا المحلية، تتعدد التقارير وتتنوع لتشمل تقارير المقررات، والتقارير المجمعة للبرامج، وتقارير الاعتماد البرامجي والمؤسسي، فضلا عن استبيانات تقييم الطلاب ومؤشرات الأداء، ويزداد هذا التعدد تعقيدا بتعدد هيئات الاعتماد والجودة، فلكل من الهيئة الوطنية والهيئات الإقليمية والدولية نماذجها ومعاييرها الخاصة.
إن هذا التشتت ليس مجرد إزعاج عابر، بل له أثر سلبي جسيم على جوهر العمل الأكاديمي. فانشغال الأستاذ بهذه الأعمال الإجرائية ينتقص من وقته المخصص لتحضير المحاضرات، وتطوير المناهج، والمراجعة الدقيقة للأبحاث العلمية، والإشراف المكثف على رسائل الطلاب. وعندما يتوزع اهتمامه بين ملفات التوثيق ومهامه التدريسية والبحثية، تنخفض جودة التدريس، ويتراجع الإنتاج العلمي، وتضعف متابعة الطلاب. وهنا تبرز المفارقة، فأنظمة الجودة والاعتماد التي تفترض تحسين الأداء، قد تساهم، في سياقها الحالي، في تردي جودة العمل الأكاديمي بسبب تشتيت عضو هيئة التدريس وإبعاده عن جوهر رسالته الأصلية. أظهرت بعض الدراسات أن درجة رضا أعضاء هيئة التدريس عن متطلبات الجودة والاعتماد جاءت منخفضة او متوسطة (المجلة المصرية للدراسات المتخصصة: 2018: 19: 53-84)، كما أظهر استطلاع أن 73% من الأساتذة في الولايات المتحدة يجمعون على أن متطلبات الاعتماد والجودة تستنزف وقتهم بشكل كبير Critical Questions in Education: 2019: 10 (1): 17-28.
ومع أن الأدلة العالمية حول جدوى أنظمة الجودة والاعتماد تظل متضاربة، فإن الأهم هو الاعتراف بأن هذه الممارسات، في سياقها الحالي، تحتاج إلى إدارة فاعلة وكوادر متخصصة، حتى لا يتسبب الموضوع في إحداث خلل في جوهر العملية التعليمية. فإشغال الأستاذ بأعمال روتينية، قد لا يؤمن بجدواها، ينعكس سلبا على جودة التدريس والبحث العلمي، إذ يتحول التركيز من الإبداع الأكاديمي إلى إعادة إنتاج ملفات متكررة، قد يشوبها الخطأ والاجتهاد غير المضمون لأنها أسندت لمن لا يفترض أن يجيد هذه الأعمال.
وفي مقابل هذه التحديات، توجد نماذج عالمية استطاعت الفصل بين المهام الإحصائية والتقنية والمهام المعرفية، عبر كوادر إدارية متخصصة. ففي جامعة هارفارد، يتولى مكتب البحوث والتحليلات المؤسسية إعداد التقارير المتعلقة بالجودة والاعتماد، حيث يقوم فريق متخصص في الإحصاء بجمع البيانات وتحليلها، ويكون دور الأكاديمي مقتصرا على تقديم المدخلات النوعية. وفي جامعة تكساس في أوستن، يعمل نظام يضم مكتبا للشؤون الأكاديمية والمناهج يدير عمليات الاعتماد والجودة، ومكتبا للتقارير المؤسسية والبحوث يعد المصدر الرسمي للإحصائيات. وتسند جامعة ميشيغان إعداد تقارير الجودة والاعتماد الى مكتب متخصص في التخطيط والتحليل المؤسسي ويعتمد على أنظمة وكوادر متخصصة، ولا يتجاوز دور أعضاء هيئة التدريس توفير المدخلات النوعية.
وهذه النماذج ممكن الاسترشاد بها في السياق المحلي في إعادة هيكلة إدارات الجودة والاعتماد القائمة لتضم كوادر متخصصة في الإحصاء وعلوم البيانات، تتولى جمع البيانات وتحليلها وإعداد التقارير، ليظل دور الأكاديمي مركزا على تقديم مدخلات نوعية تصف أداءه الفعلي. فالجودة الحقيقية يجب أن تكون نتيجة عمل جيد، وليست مجرد واجهات براقة تنتجها النماذج والتقارير.
خلاصة القول، إن جوهر المشكلة ليس في الجودة والاعتماد بحد ذاتها، بل في طريقة تنفيذها. فتحويل الأكاديمي من مفكر وباحث ومعلم إلى موظف إداري يتطلب إعادة توزيع الأدوار، بحيث تتولى فرق متخصصة المهام الإجرائية، ويحفظ للأستاذ حقه الأصيل في الانغماس في التدريس والبحث والإبداع، فهو المربي والموجه والباحث الذي تشتاق القاعات الدراسية إلى وجوده، وتحتاج المختبرات إلى عقله، وترقب المجلات العلمية قلمه. وبهذا التوجه، نضمن أن تكون الجودة ثمرة لأعمال جيدة، لا بديلا عنها، وأن تظل رسالة الأستاذ مصانة في كنف مؤسسة تدرك قيمة من تحمل على عاتقها بناء العقول.
فمنذ أن أصبحت الجودة والاعتماد جزءا من العمل اليومي في الجامعات، أضيفت إلى مسؤوليات الأستاذ أعباء جمع البيانات وتعبئة النماذج وإعداد التقارير، وهي مهام تتطلب مهارات في التحليل الإحصائي وتصميم قواعد البيانات، لا تشكل جزءا من التأهيل الأكاديمي المعتاد، مما يضطر الأستاذ إلى إهدار جزء من وقته الثمين في تعلم تقنيات لإنجاز مهام من المفترض أن يتولاها موظفون متخصصون. وفي جامعاتنا المحلية، تتعدد التقارير وتتنوع لتشمل تقارير المقررات، والتقارير المجمعة للبرامج، وتقارير الاعتماد البرامجي والمؤسسي، فضلا عن استبيانات تقييم الطلاب ومؤشرات الأداء، ويزداد هذا التعدد تعقيدا بتعدد هيئات الاعتماد والجودة، فلكل من الهيئة الوطنية والهيئات الإقليمية والدولية نماذجها ومعاييرها الخاصة.
إن هذا التشتت ليس مجرد إزعاج عابر، بل له أثر سلبي جسيم على جوهر العمل الأكاديمي. فانشغال الأستاذ بهذه الأعمال الإجرائية ينتقص من وقته المخصص لتحضير المحاضرات، وتطوير المناهج، والمراجعة الدقيقة للأبحاث العلمية، والإشراف المكثف على رسائل الطلاب. وعندما يتوزع اهتمامه بين ملفات التوثيق ومهامه التدريسية والبحثية، تنخفض جودة التدريس، ويتراجع الإنتاج العلمي، وتضعف متابعة الطلاب. وهنا تبرز المفارقة، فأنظمة الجودة والاعتماد التي تفترض تحسين الأداء، قد تساهم، في سياقها الحالي، في تردي جودة العمل الأكاديمي بسبب تشتيت عضو هيئة التدريس وإبعاده عن جوهر رسالته الأصلية. أظهرت بعض الدراسات أن درجة رضا أعضاء هيئة التدريس عن متطلبات الجودة والاعتماد جاءت منخفضة او متوسطة (المجلة المصرية للدراسات المتخصصة: 2018: 19: 53-84)، كما أظهر استطلاع أن 73% من الأساتذة في الولايات المتحدة يجمعون على أن متطلبات الاعتماد والجودة تستنزف وقتهم بشكل كبير Critical Questions in Education: 2019: 10 (1): 17-28.
ومع أن الأدلة العالمية حول جدوى أنظمة الجودة والاعتماد تظل متضاربة، فإن الأهم هو الاعتراف بأن هذه الممارسات، في سياقها الحالي، تحتاج إلى إدارة فاعلة وكوادر متخصصة، حتى لا يتسبب الموضوع في إحداث خلل في جوهر العملية التعليمية. فإشغال الأستاذ بأعمال روتينية، قد لا يؤمن بجدواها، ينعكس سلبا على جودة التدريس والبحث العلمي، إذ يتحول التركيز من الإبداع الأكاديمي إلى إعادة إنتاج ملفات متكررة، قد يشوبها الخطأ والاجتهاد غير المضمون لأنها أسندت لمن لا يفترض أن يجيد هذه الأعمال.
وفي مقابل هذه التحديات، توجد نماذج عالمية استطاعت الفصل بين المهام الإحصائية والتقنية والمهام المعرفية، عبر كوادر إدارية متخصصة. ففي جامعة هارفارد، يتولى مكتب البحوث والتحليلات المؤسسية إعداد التقارير المتعلقة بالجودة والاعتماد، حيث يقوم فريق متخصص في الإحصاء بجمع البيانات وتحليلها، ويكون دور الأكاديمي مقتصرا على تقديم المدخلات النوعية. وفي جامعة تكساس في أوستن، يعمل نظام يضم مكتبا للشؤون الأكاديمية والمناهج يدير عمليات الاعتماد والجودة، ومكتبا للتقارير المؤسسية والبحوث يعد المصدر الرسمي للإحصائيات. وتسند جامعة ميشيغان إعداد تقارير الجودة والاعتماد الى مكتب متخصص في التخطيط والتحليل المؤسسي ويعتمد على أنظمة وكوادر متخصصة، ولا يتجاوز دور أعضاء هيئة التدريس توفير المدخلات النوعية.
وهذه النماذج ممكن الاسترشاد بها في السياق المحلي في إعادة هيكلة إدارات الجودة والاعتماد القائمة لتضم كوادر متخصصة في الإحصاء وعلوم البيانات، تتولى جمع البيانات وتحليلها وإعداد التقارير، ليظل دور الأكاديمي مركزا على تقديم مدخلات نوعية تصف أداءه الفعلي. فالجودة الحقيقية يجب أن تكون نتيجة عمل جيد، وليست مجرد واجهات براقة تنتجها النماذج والتقارير.
خلاصة القول، إن جوهر المشكلة ليس في الجودة والاعتماد بحد ذاتها، بل في طريقة تنفيذها. فتحويل الأكاديمي من مفكر وباحث ومعلم إلى موظف إداري يتطلب إعادة توزيع الأدوار، بحيث تتولى فرق متخصصة المهام الإجرائية، ويحفظ للأستاذ حقه الأصيل في الانغماس في التدريس والبحث والإبداع، فهو المربي والموجه والباحث الذي تشتاق القاعات الدراسية إلى وجوده، وتحتاج المختبرات إلى عقله، وترقب المجلات العلمية قلمه. وبهذا التوجه، نضمن أن تكون الجودة ثمرة لأعمال جيدة، لا بديلا عنها، وأن تظل رسالة الأستاذ مصانة في كنف مؤسسة تدرك قيمة من تحمل على عاتقها بناء العقول.