الغوص في المملكة استثمار سياحي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالبحر
الخميس، ١ أكتوبر ٢٠٢٦يشكل البحر الأحمر بسواحله الممتدة من جازان إلى جدة وينبع وأملج، إحدى أغنى البيئات البحرية عالميا وركيزة استراتيجية لصناعة الغوص الحديثة التي باتت اليوم عنصرا محوريا في مستقبل السياحة السعودية ورافدا اقتصاديا يتنامى بوتيرة متسارعة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
فمنذ القدم والغوص يمثل مصدر دخل أزلي تمتد جذوره إلى مهنة البحث عن اللؤلؤ العريق على سواحل الخليج العربي، وجزر فرسان بمنطقة جازان، ومدن البحر الأحمر، واليوم أصبح استثمارا قائما على التدريب والرحلات البحرية الترفيهية والمراكز المتخصصة والاستدامة البيئية والهوية الثقافية ورحلات الاستكشاف العلمية.
البحر أصل اقتصادي وبيئي يعيد تشكيل وجه السياحة السعودية
يعد البحر الأحمر أحد أكثر بحار العالم تنوعا، وبحسب دراسات حديثة صدرت هذا العام عن مراكز علمية في المملكة، أكدت أن البحر الأحمر يضم أكثر من 1200 نوع من الأسماك و300 إلى 350 نوعا من الشعاب المرجانية بعضها لا يوجد إلا في هذه المنطقة، وكشفت نتائج دراسات أعلنها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية عن توليد أكثر من 12.8 مليار تسلسل جيني تمثل أضخم قاعدة بيانات للتنوع الأحيائي في البحر الأحمر حتى الآن، وتسجيل 1,023 عائلة من الكائنات حقيقية النوى، و56 نوعا من شعبة الحبليات التي تشمل الفقاريات كالأسماك، وهذا التنوع يمنح المملكة ميزة تنافسية في سوق الغوص العالمي ويعزز مواقع مثل أبو طير، وبياضة، والأخوات الأربع، وجزر فرسان، وأملج، والوجه، وينبع لتصبح منصات مثالية للغوص الاحترافي والتصوير تحت الماء.
ويؤكد المختصون في الاقتصاد البحري أن هذا التنوع البيولوجي يشكل أصلا اقتصاديا قابلا للاستثمار طويل المدى، وأن الغوص يمثل أحد أكثر الأنشطة قدرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة سياحية مستدامة، خصوصا مع توسع مشاريع البحر الأحمر ونيوم وسياحة الكروز.
ويمتلك بحر الخليج العربي عناصر جذب خاصة تجعله بيئة مميزة للغواصين، خاصة الباحثين عن الغوص الهادئ أو الليلي واستكشاف الحياة البحرية في بيئة مختلفة جيولوجيا وبيولوجيا عن البحر الأحمر حيث تتمتع بتنوع الكائنات البحرية المختلفة نظرا لاختلاف الطبيعية البيئية فيها، وهو أكثر ملاءمة للغواصين المبتدئين أو من يبحث عن رحلات قصيرة وقريبة من الساحل، وهي تجربة آمنة ومريحة خاصة في الخبر والقطيف والجبيل.
ويعد بحر الخليج العربي غنيا بمواقع حطام السفن، وهي من أكثر المواقع جذبا للغواصين عالميا، فالغوص في الحطام يمنح تجربة استكشافية مختلفة عن الشعاب المرجانية، مثل: حطام السفن القديمة، ومواقع غوص صناعية، وهياكل بحرية تحولت إلى موائل للكائنات البحرية.
متعة البحر لمحبي الغوص
يعيش أبناء الساحل القاطنون على ضفاف البحر أجواء مميزة، إذ يستمتعون بالمناظر البحرية ويركبون الأمواج ويصطادون الأسماك ويمارسون مهنة الغوص والسباحة حتى بات بعضهم مرشدين للسياحة البحرية ومدربي غوص ومرافقين للرحلات الترفيهية والعلمية كونهم أصحاب المنطقة والعالمين بدهاليزها وأسرارها وأماكن وجود الكائنات والشعاب والجزر السياحية.
في هذا السياق أخذنا العم علي (89) عاما، وأبناءه الأربعة في رحلة تخيلية يحكي لنا فيها عن تجاربه وذكرياته خلال 60 عاما عاش خلالها «حواتا غواصا» وامتهن أبناؤه الأربعة مهنة والدهم وأجدادهم متوارثين فيما بينهم المراكب الخاصة بعائلتهم، منهم من أصبح مدربا للغوص وآخر مرشدا بحريا يرافق علماء البحار والباحثين عن كنوز البحر كما يسميهم، في حين افتتح الأب علي ما أسماه بالدكة التي يبيع السمك الذي يصطاده يوميا عبرها لمحبي طعام البحر.
إرث الغوص التقليدي يتحول إلى منتج سياحي
في جزر فرسان، شكلت مهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ أحد أهم الموارد الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمد عليها الأهالي قديما، وكانت رحلات الغوص تمتد 3 إلى 4 أشهر، وتبدأ بإعداد السفن وتوزيع الأدوار بين النوخذة قائد السفينة والغواص والبحار وترافقها أهازيج بحرية تجسد قيم الصبر والتكاتف والعمل الجماعي.
الغواص عبدالله حسين (68) عاما في لقائه بـ«واس» يستعيد ذاكرة بحرية امتدت لأكثر من 40 عاما، حين كان الغوص بحثا عن اللؤلؤ يمثل مصدر رزق رئيسيا ويحمل بين طياته مشقة البحر ومفاجآته بحثا عن لؤلؤة ثمينة أو نادرة بحجم البيضة الصغيرة، وهذا الإرث البحري العريق يتحول اليوم إلى منتج سياحي وثقافي يقدم ضمن فعاليات متنوعة منها ليالي الحريد، ويسهم في ربط الأجيال الجديدة بتاريخ البحر، وتعزيز الهوية البحرية للمملكة.
الجزر السعودية وجهة صاعدة تعيد تشكيل الاستثمار في الغوص
تعد الجزر في مختلف مناطق البحر الأحمر إحدى أكثر الوجهات البحرية جذبا للغواصين بفضل شعبها المرجانية البكر وصفاء مياهها وظهور الكائنات البحرية الكبيرة في مواسم محددة، وتتكامل هذه الوجهة مع نمو رحلات أرويا كروز عبر ميناء جدة الإسلامي مما يخلق سوقا جديدة للرحلات البحرية القصيرة والمتوسطة ويعزز الاستثمار في الغوص والسياحة البحرية.
التقت «واس» بالمهندس عبدالله هشام الدوسري الذي بدأ رحلته للغوص عام 2017م من البحر الأحمر، حيث خاض أول تجربة له تحت الماء برفقة مدرب متخصص، قائلا «على الرغم من التخوف الطبيعي في البداية، إلا أن الذهول بروعة القاع وما يضمه من شعاب مرجانية وأسماك وكائنات بحرية جعلني أعشق هذه الرياضة وأتطلع لاحترافها».
وأضاف «عقب عودتي اتجهت مباشرة إلى مركز غوص لتلقي التدريب الأكاديمي والعملي على يد المدربين القديرين هيثم خياط وعمر فداغ، وحصلت على رخصة الغوص الترفيهية من منظمة «بادي العالمية»، ثم واصلت التدريب حتى نلت رخصة «الغواص المتقدم» Advanced Open Water التي تتيح لي الغوص حتى عمق 30 م تحت سطح البحر».
وأشار إلى أن رحلة التعلم لم تكن مجرد نزهة تحت الماء، بل شملت تدريبات مكثفة على التعامل مع معدات الغوص والسيطرة الكاملة في البيئة المائية، وشملت إتقان مهارات خلع وارتداء سترة الطفو BCD مع أسطوانة التنفس تحت الماء والتعامل مع الطوارئ، إضافة إلى فهم واستيعاب فيزياء الغوص للوقاية من مرض خفض الضغط Decompression Sickness / DCS، وكيفية حساب وقفات التخفيف من الضغط لضمان السلامة.
ونوه الدوسري بأن التدريب يركز بشكل أساسي على التحكم الدقيق بالطفو Buoyancy Control لعدم إلحاق أي ضرر بالبيئة المرجانية الحساسة، وصولا إلى إتقان متطلبات الغوص الليلي Night Diving والغوص في المياه المالحة تحت الظلام باستخدام الإشارات الضوئية المخصصة.
وحول أماكن الغوص التي يمكن للسائح التوجه لها قال الدوسري «خلال مسيرتي مارست الغوص في عدة مناطق متميزة بالمملكة؛ بدءا من الساحل الشرقي في مخرج 10 بشاطئ نصف القمر بالظهران، وشواطئ مدينة جدة، وصولا إلى محافظة الجبيل التي ننطلق منها بالقارب في رحلات استكشافية تصل إلى جزيرة جنى؛ حيث نغوص نهارا مع السلاحف البحرية ونشاهد الشعاب المرجانية والقروش الصغيرة، وخضت في أعماق جزيرة جنى تجربة الغوص الليلي لاستكشاف الحياة البحرية الخافية وسلوك الكائنات تحت سكون الليل».
واختتم حديثه لواس بقوله: إن رياضة الغوص رياضة ممتعة ومغامرة استكشافية فريدة، لكنها تتطلب التزاما صارما بقواعد السلامة والاحتياطات المتبعة؛ فالانضباط والوعي هما أصل هذه الرياضة، حيث إن أي تهاون أو خطأ بسيط قد يشكل خطرا على حياة الغواص أو زملائه.
أرقام وإنجازات الاتحاد السعودي للرياضات البحرية والغوص
يمثل الاتحاد السعودي للرياضات البحرية والغوص منذ تأسيسه في مارس 2018 منصة وطنية تعمل على تطوير ودعم رياضة الغوص من خلال إطلاقه اللوائح المنظمة لرياضة الغوص في يناير 2020 وإقامة المنافسات والدورات التدريبية وورش العمل وتمثيل المملكة في المسابقات والبطولات والفعاليات الدولية والأولمبية كمشاركته في بطولة العالم بالكويت في 2023 وفي بطولة العالم باليونان عام 2025، وأطلق في مايو 2020 منصة عضويات مراكز الغوص ومنصة وزارة الرياضة لتراخيص الغوص؛ بهدف حوكمة وتنظيم نشاط المراكز، وإصدار العضويات وبناء قاعدة بيانات لقياس النمو ودعم التخطيط.
وفي 2021 أضاف الاتحاد مهنة «مدرب رياضات مائية محترف» إلى التصنيف السعودي الموحد للمهن بما يدعم الاعتراف المهني للكوادر العاملة في المجال ويسهم في تنظيم المسار الوظيفي للمختصين، وفي يناير 2023 أطلق الاتحاد منصة الكترونية لتسجيل محترفي الغوص من المرشدين والمدربين وإصدار الترخيص الوطني لممارسة مهام الغوص الاحترافي.
وأطلق الاتحاد خدمة التصاريح الالكترونية للغوص عبر بوابة «زاول» بالتعاون مع المديرية العامة لحرس الحدود وبدعم تقني من شركة علم، وشملت الخدمة تسجيل وإدارة مراكز الغوص والغواصين ومالكي الوسائط البحرية المخصصة للغوص، وإصدار تصاريح الغوص الكترونيا وإدارتها وتفعيلها لمختلف الأنواع، سواء للغوص من الشاطئ أو البحر المفتوح أو لأغراض الترفيه أو التدريب.
وبلغ عدد المحترفين المسجلين على منصة «زاول» والحاصلين على الترخيص الوطني 623 محترفا، وعدد الممارسين المسجلين على المنصة 1093 ممارسا حاصلا على رخصة غوص دولية من مستوى غواص إنقاذ وأعلى، وبلغ عدد التصاريح 10100 تصريح في البحر الأحمر و511 تصريحا في الخليج العربي واستفاد من خدمات الاتحاد نحو 35,439 شخصا في البحر الأحمر و2142 شخصا في الخليج العربي.
وبلغ إجمالي عدد مراكز الغوص 93 مركزا، وإجمالي محترفي الغوص 924 محترفا 797 من الذكور و127 من الإناث، وتجاوز عدد الممارسين لرياضة الغوص في المملكة 50 ألف ممارس برخص دولية وعدد المنظمات الدولية المعتمدة 7 منظمات.
ونفذ الاتحاد أعمال مسح وتحديد لمواقع الغوص الشاطئية في مناطق المملكة على ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي، وتم اعتماد 68 موقع غوص من الشاطئ، إضافة إلى 400 وجهة داخل البحر المفتوح تتضمن أكثر من 1000 موقع غوص، وأتاح الاتحاد عبر موقعه الالكتروني قائمة بالمواقع المعتمدة تتضمن معلومات إرشادية لكل موقع ومنها درجات الحرارة وأنواع الشعاب المرجانية والكائنات البحرية، والأعماق، وخرائط تحت الماء للمواقع.
وأقام الاتحاد بطولات للغوص الحر في المسابح والأعماق بإجمالي مشاركة 42 من الذكور و18 من الإناث، وبطولات للتصوير تحت الماء بإجمالي مشاركة 33 من الذكور و8 من الإناث بما يدعم تنوع المسارات التنافسية المرتبطة برياضة الغوص.
مراكز الغوص بنية تحتية تصنع اقتصادا جديدا
انتشار مراكز الغوص المعتمدة من الاتحاد على السواحل الغربية والشرقية للمملكة جعل القطاع أكثر تنظيما، وهذه المراكز تقدم تدريبا معتمدا وفق المعايير الدولية، ورحلات بحرية منظمة، وتأجير معدات احترافية، وبرامج غوص حر وتقني وعميق، وخدمات تصوير تحت الماء.
وحول ذلك أكد لواس مدرب الغوص أحمد علي، أن مراكز الغوص موجودة في جميع مناطق البحار وتقدم خدماتها لمحبي البحر على مدار الساعة، وأن مدينة جازان والليث وجزرهما من أبرز وجهات الغوص عالميا لما تتميز به من صفاء وتنوع الشعاب المرجانية واعتدال الظروف المناخية، مشيرا إلى أن مواقع مثل أبو طير وبياضة تحتضن كائنات بحرية نادرة، وتوفر بيئة مثالية للغواصين والباحثين من العلماء.
رخصة الغوص وثيقة مهنية ترفع جودة القطاع وتدعم الاستثمار
تعد رخصة الغوص عنصرا أساسيا في تنظيم القطاع، إذ تمنح الغواص أو المدرب اعتمادا رسميا يتيح له ممارسة النشاط وفق معايير السلامة الدولية، وتستخرج الرخصة من المنظمات الدولية المعتمدة مثل PADI وSSI وNAUI فيما يصدر الاتحاد السعودي للرياضات البحرية والغوص الترخيص الوطني للغواصين المحترفين الراغبين في ممارسة العمل المهني في نشاط الغوص داخل المملكة، وتسهم الرخصة في رفع مستوى الأمان، وتمكين الكوادر الوطنية، وتعزيز ثقة السائح الدولي، ودعم الاستثمار في الرحلات البحرية والمراكز المتخصصة، وترسيخ ممارسات الغوص المسؤول وحماية الشعاب المرجانية.
الغوص استثمار اقتصادي وسياحي مستدام
يشير خبراء السياحة البحرية إلى أن الغوص يمثل أحد أعلى الأنشطة من حيث متوسط إنفاق السائح، لأنه يتطلب تدريبا ومعدات ورحلات وإقامة، مما يرفع العائد الاقتصادي للمناطق الساحلية، ويفتح للقطاع مسارات مهنية جديدة تشمل التدريب على الغوص وتشغيل الرحلات البحرية والإرشاد البيئي البحري والتصوير تحت الماء وإدارة مراكز الغوص، وتتكامل هذه المسارات مع مشاريع البحر الأحمر ونيوم وسياحة الكروز ما يجعل الغوص جزءا من منظومة اقتصادية متنامية.
وأكد مدرب الغوص والمرخص من قبل الاتحاد السعودي للرياضات البحرية والغوص عبدالعزيز بن محمد الوابل، في حديثه لواس، أن الغوص رياضة جميلة وممتعة، موضحا أن الغوص مع السلاحف والقروش في منطقة البحر الأحمر متعة جميلة لا تضاهيها متعة أخرى، وأن السياح ينضمون له أثناء الرحلات البحرية التي تشمل التدريب على الغوص والاستمتاع برحلات سياحية تنظم في مختلف المناطق الساحلية في المملكة.
وبين أن بعض الغواصين يعد الغوص هواية ورياضة وسياحة بينما يعدها البعض الآخر استثمارا وسياحة، وأنه يمارسها كونها استثمارا بالتدريب وتنظيم الرحلات رغم بداياته التي كانت تهدف إلى الرياضة والمتعة والرحلات الترفيهية.
وحول الأعمار التي يدربها قال إنه يبدأ تدريب الشباب من عمر 10 سنوات على المسبح لمدة يومين ثم في البحر يومين وبإجمالي 5 غوصات، مشيرا إلى أن الرحلات التي تستمر لمدة أسبوع كامل في البحر يطلق عليها بالسفاري.