توطين إدارة المشاريع: نحو نجاح مستدام وصناعة قادة المستقبل
الخميس، ١ أكتوبر ٢٠٢٦في بلد يبني مدنا من الصفر ويعيد تشكيل خارطته العمرانية من خلال مشاريع تعد من بين الأضخم في العالم، يبقى سؤال أساسي يستحق مزيدا من الاهتمام: من يقود هذه المشاريع؟ وهل يمتلك فعلا المعرفة والمهارات اللازمة لقيادتها بكفاءة؟
إدارة المشاريع الهندسية ليست وظيفة يصل إليها الإنسان لمجرد أنه أمضى سنوات طويلة في الميدان، أو لأنه مهندس متميز في تخصصه. فهي علم قائم بذاته، له نظرياته ومنهجياته وأدواته، ويجمع بين التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر والتحكم في التكاليف والجدولة الزمنية وضبط الجودة وإدارة أصحاب المصلحة. ومهما بلغت الخبرة الفنية للمهندس، فإنها لا تكفي وحدها للتعامل مع مشروع تتعقد فيه المتغيرات وتتداخل فيه المسؤوليات والمخاطر.
وعند النظر إلى واقع كثير من المشاريع، نجد أن عددا غير قليل ممن يتولون قيادتها وصلوا إلى هذه المواقع بحكم الأقدمية أو التدرج الوظيفي، من دون المرور بمسار تأهيلي متخصص في إدارة المشاريع. حيث يكشف عن حاجة حقيقية إلى تطوير مسارات التأهيل المهني. فالمشاريع التي تتعثر أو تتأخر أو تتجاوز ميزانياتها بشكل كبير غالبا ما تكشف عن فجوات في التخطيط، وإدارة المخاطر، والتكاليف، والموارد. والمشكلة هنا ليست في الجهد الذي يبذله العاملون، وإنما في امتلاك الأدوات والمنهجيات المناسبة للتعامل مع تعقيدات المشروع.
في هذا السياق يأتي قرار وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتوطين مهن إدارة المشاريع بنسبة 70%. ويشمل القرار ثلاث مهن رئيسية هي مدير إدارة مشاريع، ومهندس إدارة مشاريع، وأخصائي إدارة مشاريع. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المملكة توسعا كبيرا في مشاريع البنية التحتية والسياحة والترفيه والطاقة والمدن الذكية، وهي مشاريع تحتاج إلى كوادر وطنية قادرة على القيادة وفق معرفة علمية ومنهجية واضحة. القرار يحمل رسالة واضحة: إدارة المشاريع أصبحت من المهن التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني، وسوق العمل يحتاج إلى كوادر سعودية مؤهلة تأهيلا حقيقيا وقادرة على تولي مسؤولياتها بثقة وكفاءة. وهذا يعني في الوقت نفسه أن المجال يفتح فرصا مهنية واعدة أمام الشباب والشابات السعوديين الذين يستعدون له بشكل صحيح.
وهنا تبرز أهمية تطوير منظومة متكاملة للتأهيل، تبدأ من التعليم الجامعي وتمتد إلى التدريب والممارسة المهنية. فالجامعات السعودية تمتلك خبرات أكاديمية جيدة، ولديها القدرة على تطوير برامج أكثر ارتباطا باحتياجات سوق العمل والمشاريع الوطنية. ويمكن أن يبدأ ذلك ببرامج دبلوم مهني تؤهل حديثي التخرج وتمنحهم أساسا قويا في التخطيط والجدولة وإدارة التكاليف والمخاطر، وصولا إلى برامج ماجستير متخصصة تعد قيادات قادرة على إدارة المشاريع والبرامج والمحافظ، والتعامل مع المنهجيات الحديثة مثل إدارة المشاريع الرشيقة والتحول الرقمي.
وفي هذا الجانب، لا تكفي الشهادات المهنية وحدها لتأهيل مدير مشروع قادر على التعامل مع الواقع العملي. فالشهادة المهنية تمنح حاملها إطارا معرفيا ومنهجيا مهما، لكنها لا تعوض التدريب العملي الكافي. إدارة المشاريع تحتاج إلى ممارسة فعلية، ودراسة حالات واقعية، وتطبيق أدوات التخطيط وإدارة المخاطر والتكاليف والوقت، والتعامل مع المشكلات التي تظهر أثناء التنفيذ. لذلك يجب أن يكون التدريب جزءا أساسيا من مسار التأهيل، إلى جانب الشهادات المهنية، بحيث يجمع المتدرب بين المعرفة والممارسة قبل تولي مسؤوليات كبيرة في المشاريع.
والبرنامج الأكاديمي الفعال هو الذي يرتبط بالممارسة منذ البداية. ومن هنا تبرز أهمية إشراك الممارسين والخبراء في تصميم المناهج، واستخدام دراسات حالة من المشاريع الوطنية، وربط المحتوى بالمعايير والممارسات الدولية. بهذه الطريقة يصبح التعليم امتدادا طبيعيا للتدريب والممارسة، ويصل الخريج إلى سوق العمل وهو أكثر قدرة على تقديم قيمة حقيقية.
والوقت مناسب للتحرك. فتصميم برنامج أكاديمي جديد واعتماده وتجهيز كوادره وفتح القبول فيه تحتاج إلى فترة كافية من التخطيط والعمل. والجامعات التي تبدأ من الآن في دراسة احتياجات سوق العمل وبناء برامج متخصصة ستكون أكثر قدرة على الإسهام في تحقيق مستهدفات التوطين والاستفادة من الفرص المهنية التي ستنشأ مع تطبيق القرار. ما يحدث اليوم فرصة لإعادة تعريف مسار إعداد قادة المشاريع في المملكة. فالمطلوب ليس زيادة أعداد الخريجين فحسب، وإنما بناء كفاءات وطنية قادرة على إدارة المشاريع بكفاءة وتحمل مسؤولياتها في بيئة عمل تتزايد فيها أحجام المشاريع وتعقيداتها.
المملكة تمتلك طاقات بشرية شابة وطموحا كبيرا، ومع التكامل بين التعليم والتدريب والممارسة المهنية، يمكن بناء جيل من قادة المشاريع السعوديين القادرين على قيادة المشاريع الكبرى وفق أفضل الممارسات العالمية. إدارة المشاريع ليست خبرة تكتسب بمرور السنوات فقط، وليست شهادة مهنية تنتهي عند الحصول عليها؛ إنها علم يحتاج إلى دراسة، ومهارة تحتاج إلى تدريب، وخبرة تتطور بالممارسة.