الرأي

حرب الفناء والغموض قادمة


رائحة الحرب تشتد، فهناك حروب تبدأ ببيان، وحروب تبدأ بفتنة، وحروب تبدأ بقنبلة حين تصمت العواصم الغاضبة أكثر مما تتكلم.

وهناك حروب لا نعرف متى بدأت أصلا؛ لأن أول طلقاتها لم تسمع، وأول ضحاياها لا يسقطون في الميدان، باختلال موازين العقل والأمن والأطماع وتحدر الثقة وغموض مستقبل الإنسانية.

اليوم نشم أنواع الدخان، ونرى أعوادا جافة تُذكى، بقربنا في واحدة من أبشع تلك الحروب نتيجة.

الجميع يتحدث عن مواجهة كبرى، لكن أحدا لا يستطيع رسم خريطتها بالألوان والأسهم!

ومدى وضوح القوى المتناوئة حولها؟
معسكرات خبث تتخفى خلف ادعاءات ودول وجماعات مسلحة وعهود وخيانات؟
وساحتها ليست دولة بعينها، ولا خليجا وبحرا وممرات واضحة، فتتحرك الأذرع الخبيثة فيها وحولها، وصانعو المؤامرات مجتهدون، وحث مصانع الأسلحة والتقنية يتمادى بالجنوح.

كل ما ذكر أعلاه وأكثر يحدث، ويشتد باعتقاد كل فئة أنها مسلطة فوق الرؤوس.

وهنا تكمن المأساة، فالغموض نفسه يصبح جزءا من الحرب.
والعالم لم يعد يعيش زمن الجيوش التي تحشد وتتقابل وجها لوجه حتى يكسر أحدها ويعود لثكنته.

نحن أمام حرب عبثية طاحنة تأتي من السماء بصاروخ، ومن البحر بمسيرة، ومن قمر صناعي بشعاع حرب الكترونية، ومن خنق وحصار، بعقوبات أو تعطيل لسلاسل الإمداد، ومن مختبر يغير موازين القوة قبل أن يدرك الناس أنه تعاظم بالذكاء الاصطناعي... أو قمة غباء، ليحرمهم اللقمة.

إن ما نراه ليس الصراع على أرض أو نفوذ؛ إنه صراع على تشويه صورة العالم القادم المتخيَّل بنصر موعود لمن يملك التقنية، ومن تسبقه صناعته، ومن يملك الطاقة والموارد، ومن يستطيع حماية طرق التجارة، والقادر على جعل خصمه ضعيفا دون أن يطلق عليه رصاصة واحدة، حتى ولو أحرق جميع جيرته.

والأخطر أن كل طرف يملك روايته المتخيلة: أحدهم يستعين بأحقية التاريخ، وآخر بالدين، وثالث باسم طلب الأمن، ورابع باسم العنصرية، وكاذب باسم الحرية المشوهة.

وكل يتخيل أنه يقف في الجانب الذي كتب له النصر قبل بداية المعركة.
لكن السماء لن تمنح أحدا شهادة انتصار زائفة.

فالعالم مختلط، والجيوش واقعة تحت اختبار القدرة المباغتة، والتحالفات تتغير، والمصالح تتشابك، والخيانات تبرز، وحتى الذين يتحدثون عن المعارك المقدسة يظلون أبعد الناس عن قداسة الدم الذي يسيل بسببها.

ومنتهى المآسي أن الذين يدفعون العالم إلى الحافة لا يضمنون دفع ثمن حسرات الحافة لو أجبروا عليها؛
يهددون ويسترخصون ملايين البشر: أمنهم، أرزاقهم، حدودهم، أطفالهم، مدنهم، وكل ما بنته البشرية من قرون وتجارب، معتقدين أنهم يتعلمون من أخطائهم.

نحن لا نعرف أين تقودنا هذه الحرب الفاجعة، وتبعاتها، ولا حتى إن كانت ستملك نهاية واضحة.
فقد يصبح الكبير صغيرا، والقوي ضعيفا، وقد يفنى كلاهما، وتنهشهما أنياب الضباع، ويغدو المسيطر أسيرا لسلاح صنعه بيده.

أنا لا أخاف من حرب شريفة لها مسببات جلية، ونهاية محسومة، بقدر خوفي من حروب غدر تبدأ من أبعد مناطق الغموض، وتزور مناطق الهوى والغِوى، ويختلط فيها الصديق بالعدو، وتنتهي في مناطق الفقد.

shaheralnahari@