الرأي

الدراسة والشمس والغذاء و«فيتامين »D


يطرح أحد الآباء تساؤلا يشغل كثيرا من الأسر: كيف أعرف أن ابني يعاني من نقص فيتامين D، خصوصا أن أبناءنا يقضون معظم ساعات النهار في المدرسة، وقد لا يحصلون على قدر كاف من التعرض لأشعة الشمس؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية متزايدة مع تغير نمط حياة الأطفال والمراهقين، وتراجع الوقت الذي يقضونه في الهواء الطلق، مقابل ساعات أطول داخل المدارس والمنازل وأمام الأجهزة الالكترونية.

لا شك أن فيتامين D يعتبر من العناصر الأساسية التي يحتاجها الجسم في مختلف مراحل العمر، ولا تقتصر أهميته على صحة العظام والأسنان فقط، بل يرتبط أيضا بعمل العضلات ووظائف الجهاز المناعي، كما يساعد الجسم على امتصاص الكالسيوم والفوسفور والاستفادة منهما في بناء الهيكل العظمي والمحافظة عليه.

وتكمن المشكلة في أن نقص فيتامين D قد لا يسبب أعراضا واضحة لدى بعض الأطفال، خصوصا في مراحله الأولى، وقد تظهر لدى البعض علامات مثل التعب والإرهاق، وآلام العظام أو العضلات، والضعف العضلي، أو تأخر النمو في بعض الحالات، لكن هذه الأعراض ليست خاصة بنقص فيتامين D، وقد تكون لها أسباب أخرى، لذلك لا ينبغي للأب أو الأم تشخيص الطفل اعتمادا على الأعراض وحدها أو البدء بإعطائه المكملات من تلقاء أنفسهم، إذ يحدد الطبيب الحاجة إلى الفحص المخبري بناء على الحالة الصحية وعوامل الخطورة والأعراض، ثم يقرر ما إذا كان الطفل يحتاج إلى علاج أو مكملات والجرعة المناسبة.

وتزداد أهمية فيتامين D خلال مرحلة الطفولة والمراهقة بسبب سرعة نمو العظام وتكوين الكتلة العظمية، فالرضيع يحتاج إليه للنمو الطبيعي للهيكل العظمي، بينما يحتاج الطفل في سن المدرسة إلى مستويات مناسبة لدعم نمو العظام والعضلات والنشاط البدني، أما خلال مرحلة المراهقة، فتكتسب العناية بصحة العظام أهمية أكبر، باعتبارها مرحلة مهمة في بناء الكتلة العظمية التي تشكل رصيدا صحيا للمراحل اللاحقة من الحياة.

وتوجد فئات قد تكون أكثر عرضة للنقص من غيرها، ومن بينها الأطفال الذين يقضون معظم وقتهم داخل المنازل، أو لا يحصلون على مصادر غذائية كافية من فيتامين D، وكذلك بعض الأطفال الذين يعانون من السمنة أو مشكلات صحية تؤثر في امتصاص العناصر الغذائية، إضافة إلى من يتناولون بعض الأدوية التي قد تؤثر في مستويات الفيتامين.

وقد يتساءل البعض: ما هو فيتامين D وأين يوجد؟
الجواب أن فيتامين D فيتامين ذائب في الدهون، ويتميز بقدرة الجسم على إنتاجه عندما يتعرض الجلد لأشعة الشمس المناسبة، ولذلك يعرف على نطاق واسع باسم «فيتامين الشمس»، إلا أن التعرض للشمس ليس المصدر الوحيد، إذ يمكن الحصول عليه أيضا من بعض الأغذية، ومن أهم مصادره الغذائية الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين والتونة، إضافة إلى صفار البيض وبعض منتجات الألبان والحليب والحبوب والعصائر المدعمة بفيتامين D، وتبقى أهمية التنوع الغذائي أساسية لضمان حصول الطفل على مختلف العناصر التي يحتاجها جسمه.

والواقع أن وجود الأطفال في المدرسة طوال النهار لا يعني بالضرورة أنهم سيعانون من نقص فيتامين D، كما أن الحل ليس تعريضهم للشمس لفترات طويلة، فكمية فيتامين D التي ينتجها الجلد تختلف باختلاف عوامل عديدة، منها لون البشرة، وموقع الشخص الجغرافي، والوقت من اليوم، والملابس، واستخدام وسائل الوقاية من الشمس، ولهذا ينبغي التعامل مع التعرض للشمس باعتدال، وتجنب التعرض المفرط الذي قد يضر الجلد، مع تشجيع الأبناء على ممارسة الأنشطة الخارجية في الأوقات والظروف المناسبة، والالتزام بإرشادات حماية الجلد من أشعة الشمس.

وإذا أظهرت الفحوصات وجود نقص، فإن طريقة التعويض تعتمد على عمر الطفل ودرجة النقص وحالته الصحية، قد يشمل التعامل معه تحسين النظام الغذائي، وتشجيع النشاط الخارجي والتعرض الآمن للشمس، إلى جانب استخدام مكملات فيتامين D عندما يرى الطبيب أنها ضرورية، مع التنويه إلى نقطة مهمة جدا وهي أنه ليس كل طفل يحتاج إلى مكملات، وليس كل نقص يعالج بالجرعة نفسها، لذلك يجب تجنب إعطاء الأطفال جرعات مرتفعة أو استخدام المستحضرات بصورة عشوائية، لأن الإفراط في فيتامين D قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم ومضاعفات صحية، أما الرضع فلهم احتياجات خاصة تختلف عن الأطفال الأكبر سنا، ولذلك ينبغي أن يستند إعطاؤهم المكملات إلى توصيات الطبيب أو المختص، خصوصا أن مصادر الغذاء والتعرض للشمس لا تكون متساوية لديهم.

كما أشير إلى أن مسؤولية الأسرة لا تبدأ عند ظهور الأعراض، وإنما بالوقاية وبناء نمط حياة صحي، فمن المهم أن يحرص الوالدان على تقديم غذاء متوازن ومتنوع، وتشجيع الأبناء على الحركة وممارسة الرياضة والأنشطة الخارجية، وتقليل الجلوس الطويل أمام الهواتف والأجهزة الالكترونية، إلى جانب الاهتمام بالنوم الكافي والمتابعة الصحية الدورية، كما ينبغي للأبناء أنفسهم أن يدركوا أن صحتهم لا تعتمد على تناول المكملات، وإنما على منظومة متكاملة من الغذاء والنشاط والنوم والعادات الصحية، فكل ذلك يهدف إلى حماية صحة الأبناء وتعزيز نموهم اليوم ومستقبلا.