الرأي

يا إسرائيل.. لقد تغير الوعي العالمي

لم تكن إسرائيل، في نظر كثير من العالم، دولة يمكن معاملتها بالعقل.
فكانت شيئا أقرب إلى الدلال والاستثناء المحمي مهما فعلت؛ يخشى الجميع تكسير قوانين سعت لفرضها على الجميع، بمظلومية المحرقة ومعاداة السامية، وظلت تفرض شروطها بمطالبة الجميع بالموقف والنصرة والتعويض، وشرعت تحمي أفرادها بخطاب ترهيبي تاريخي كان يتعاظم مع مرور الأيام، حتى أصبحت تعامل بحسابات مخففة مختلفة، جعلت مجرد توجيه النقد إليها إساءة سرعان ما تتحول إلى تهمة ترفعهم إلى مصاف المقدسين المحميين.

وهنا كان السؤال الذي تردد، وتأخر العالم طويلا في طرحه: لماذا يجوز لليهودي ما لا يجوز لغيره؟ ولماذا ينظر إلى إسرائيل بمعيار، وإلى الفلسطيني بمعيار آخر؟ وكيف تحولت مأساة شعب انتزعت منه أرضه وقتل وهجر إلى مبرر لصمت عالمي عن قول كلمة الحق!

وعلى امتداد عقود، عاش الفلسطيني تحت نير الاحتلال والحصار والقتل والاعتقال والتهجير، وبقي حلم الدولة الفلسطينية مكبلا بالقوانين الجائرة، والعالم يتفرج.

لم تكن وقائع الانتهاكات الإسرائيلية مجهولة؛ فكانت ترى بالعين، وتوثق بالصور والأقلام، وتناقش على المنابر، غير أن ميزان السياسة الدولية ظل رماديا ويميل بصورة واضحة إلى إسرائيل، مدفوعا بعلاقاتها الاستعمارية مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

وبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 على غزة، وما أعقبه من حرب إسرائيلية عبثية دموية واسعة على الشعب الغزي، أصبحت الشوارع نارا، والسماء وابلا من جحيم، وبرزت صور البيوت المهدمة فوق رؤوس أهلها، ودمرت المستشفيات، وكانت النساء والأطفال والمدنيون حاضرين أمام أعين شعوب الأرض بشكل مباشر.

وأصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، بينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت وزير الحربية، على خلفية اتهامات لهما بجرائم حرب وإبادة جماعية ضد الإنسانية.

ومن ساعتها، لم تعد المسألة مجرد أصوات عربية غاضبة؛ فقد اتسعت الاحتجاجات وسخنت المواقف عالميا، وبدأت دول مرموقة ومنظمات إنسانية وشعوب متعاطفة تنظر إلى القضية بأعين مختلفة.

وخرجت المظاهرات في معظم دول العالم، الذي صحا من تأثيرات خدعة عاشها طويلا.

وكان مشهد اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير أوضح من انسحاب دبلوماسي.
فوقف نتنياهو على منصة الجمعية العامة في سبتمبر 2026، بينما انسحبت عشرات الوفود العالمية الحية احتجاجا على سياسات إسرائيل، فانسحب 77 وفدا.

وبقي نتنياهو يتحدث أمام قاعة امتلأت بالفراغ أكثر مما امتلأت بالمؤيدين.
هذه ليست نهاية إسرائيل، ولا نهاية الصراع، لكنها علامة على نهاية شيء جذري: نهاية القدرة على إخفاء الظلم خلف الترهيب والخوف من السؤال.

يا نتنياهو، ويا تل أبيب، العالم يتغير. وما كان يقال في الغرف المغلقة أصبح يقال صراحة على مواقع التواصل وفي الشوارع وعلى المنابر والمحاكم والجامعات والملاعب والمسارح.

قد تختلف الشعوب في تفسير ما جرى سابقا، لكنها لم تعد تختلف في رؤية بشاعة المشهد وفظاعته اليوم.

والظلم، مهما طال عمره، لا يملك أن يجبر العالم على أن يظل أعمى أخرس إلى الأبد.

shaheralnahari@