قدر الله وما شاء فعل
الأربعاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦
حدثتني أم عن موقف مرّت به مع طفلها، كانت تحكيه وهي لا تزال تتذكر تفاصيل ذلك اليوم وكأنها تعيشه من جديد.
قالت:
كنت أمًّا لطفلين، طفلٍ كبير والآخر صغيرٍ.
وفي أحد الأيام كانت الأم متعبة، فأخبرها طفلها الكبير بأنه سيقوم باللعب مع أخيه، فاطمأنت وتركت لهما المكان.
وما هي إلا لحظات حتى سمعت صرخة أفزعتها، فانطلقت تركض نحوهما، وكل التخيلات التي يمكن أن تخطر على قلب أم سبقتها إلى المكان.
وجدت طفلها الصغير غارقًا في دمائه يبكي، وأخاه يصرخ، كانت ما بين الصدمة وضرورة التصرف، فأخذت طفلها وبدلت ثيابه، ثم أخبرت والده وهي لا تعلم ماذا تفعل، فأخذها والطفل وذهبا إلى المستشفى. وعندما شاهده الطبيب أخبرها أن الجرح سطحي، لكنه يحتاج إلى خياطة.
هنا بدأ قلبها يعتصر.
كيف لطفل صغير أن يتحمل الخياطة؟
أخذت تسأل الطبيب: هل يوجد حل آخر؟ فأخبرها أن الخياطة ضرورية.
فاشترطت أن تبقى بجانب طفلها أثناء خياطته حتى تكون قريبة منه.
وضع له الطبيب قليلًا من البنج، فأصبح يرى كل شيء من حوله، لكنه لا يستطيع الحركة كما يريد. كان يتألم، ولا يستطيع أن يبعد الألم بيده أو حتى بقدمه.
كانت كل غرزة تدخل في جسد ابنها، وكأنها تدخل قلبها أولًا.
كانت دموعها لا تتوقف.
وضعت رأسها بجوار رأس ابنها، ويدها بيده، تحاول أن تهدئه وتسكن ألمه، وتتمنى لو استطاعت أن تحمل عنه ما يشعر به.
انتهى الطبيب من خياطة الجرح، لكن ألم الأم لم ينتهِ.
بدأ معها ألم آخر تعرفه كل أم حين يصيب طفلها أي مكروه؛ ذلك الشعور بالعجز حين ترى ابنها يتألم، وتتمنى لو استطاعت أن تأخذ عنه ألمه، لكنها لا تستطيع.
أصبحت حائرة بين خوفها على طفلها، وشعورها بأنها ربما قصّرت معه، وبين إحساس أخيه الكبير بالذنب، لأنه يظن أنه ربما كان السبب.
وبدأت الأسئلة تتزاحم في داخلها:
لو أنني لم أتركهما وحدهما؟
لو أنني كنت بجوارهما؟
وفي وسط كل هذه المشاعر، غاب عنها للحظات معنى بسيط وعظيم:
أن ما حدث قد حدث، قدر الله وما شاء فعل.
الإيمان بالقضاء والقدر معادلة صعبة في واقعنا.
جميعنا نعرف معناها، ونؤمن بأن كل ما يحدث في هذه الحياة إنما هو بعلم الله وتقديره، ونقولها بسهولة حين نواسي شخصًا أصابته مصيبة:
«هذا أمر الله، قدر الله وما شاء فعل».
لكن ماذا يحدث حين نكون نحن أصحاب المصيبة؟
حين نقع نحن، وحين نتألم نحن؟
قد تتغير الأمور في داخلنا، نعيد الأحداث في أذهاننا مرة بعد مرة، وكأننا نستطيع بالأسئلة أن نعيد كتابة ما حدث. وهنا يأتي توجيه النبي ﷺ واضحًا:
«وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
رواه مسلم.
فالإنسان قد يراجع ما حدث ليعرف أين أخطأ، وهذا نافع، لكنه حين يظل يعيش في «لو» فإنه يتعب قلبه بشيء لم يعد يملك تغييره. هناك فرق بين أن نتعلم من الماضي، وبين أن نبقى أسرى له، نحن في هذه الحياة في اختبار دائم.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.. [البقرة: 155-157].
فالابتلاء قد يؤلمنا، وقد يجعلنا نمر بمواقف لا نفهم لماذا حدثت بهذه الصورة، وفي هذه اللحظات، نحتاج أن نتعلم كيف نعيش هذا الإيمان؛ نحزن، نتألم، ونبكي، فهذا من طبيعة الإنسان.
لكن لا نفقد يقيننا بالله وسط الألم، ولا نسمح لأسئلة «لو» أن تسرق منا السكينة، أو تجعلنا نظل عالقين في لحظة انتهت.
قد لا نفهم الحكمة من ذلك، لكننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا نعلم، وأنه يدبّر الأمر بحكمته، وأن العودة إليه هي من أعظم ما يحتاج إليه القلب، وربما يكون سببًا في أن يقترب الإنسان من الله ويكثر من الدعاء والتضرع، وأن يكتشف في نفسه صبرًا ويقينًا بالله لم يكن يعرف أنه يملكه.
وقد قال النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
رواه مسلم.
فليكن حالنا كله خيرًا؛ إن أُعطينا شكرنا، وإن مُنعنا صبرنا، وإن أخطأنا رجعنا، وإن أصابتنا مصيبة قلنا:
قدر الله وما شاء فعل.
ولعلنا لا نستطيع أن نعيش هذا الإيمان كاملًا في كل لحظة، لكننا نستطيع أن نحاول، وأن ندرّب قلوبنا على الرضا، وأن نعود إلى الله كلما أثقلتنا الأيام.
وحين تقول لأحدهم يومًا: «قدر الله وما شاء فعل»، حاول أن تكون هذه الكلمات مستقرة في قلبك، اجعلها ردك الأول على كل مصاب لك أنت قبل غيرك.
قد لا تعرف الحكمة، لكنك تعرف رب الحكمة.
وقد لا تفهم الطريق، لكنك تثق بمن يدبّر الأمر.
كل الشكر والتقدير لصاحبة القصة، أنتِ أم عظيمة.
قالت:
كنت أمًّا لطفلين، طفلٍ كبير والآخر صغيرٍ.
وفي أحد الأيام كانت الأم متعبة، فأخبرها طفلها الكبير بأنه سيقوم باللعب مع أخيه، فاطمأنت وتركت لهما المكان.
وما هي إلا لحظات حتى سمعت صرخة أفزعتها، فانطلقت تركض نحوهما، وكل التخيلات التي يمكن أن تخطر على قلب أم سبقتها إلى المكان.
وجدت طفلها الصغير غارقًا في دمائه يبكي، وأخاه يصرخ، كانت ما بين الصدمة وضرورة التصرف، فأخذت طفلها وبدلت ثيابه، ثم أخبرت والده وهي لا تعلم ماذا تفعل، فأخذها والطفل وذهبا إلى المستشفى. وعندما شاهده الطبيب أخبرها أن الجرح سطحي، لكنه يحتاج إلى خياطة.
هنا بدأ قلبها يعتصر.
كيف لطفل صغير أن يتحمل الخياطة؟
أخذت تسأل الطبيب: هل يوجد حل آخر؟ فأخبرها أن الخياطة ضرورية.
فاشترطت أن تبقى بجانب طفلها أثناء خياطته حتى تكون قريبة منه.
وضع له الطبيب قليلًا من البنج، فأصبح يرى كل شيء من حوله، لكنه لا يستطيع الحركة كما يريد. كان يتألم، ولا يستطيع أن يبعد الألم بيده أو حتى بقدمه.
كانت كل غرزة تدخل في جسد ابنها، وكأنها تدخل قلبها أولًا.
كانت دموعها لا تتوقف.
وضعت رأسها بجوار رأس ابنها، ويدها بيده، تحاول أن تهدئه وتسكن ألمه، وتتمنى لو استطاعت أن تحمل عنه ما يشعر به.
انتهى الطبيب من خياطة الجرح، لكن ألم الأم لم ينتهِ.
بدأ معها ألم آخر تعرفه كل أم حين يصيب طفلها أي مكروه؛ ذلك الشعور بالعجز حين ترى ابنها يتألم، وتتمنى لو استطاعت أن تأخذ عنه ألمه، لكنها لا تستطيع.
أصبحت حائرة بين خوفها على طفلها، وشعورها بأنها ربما قصّرت معه، وبين إحساس أخيه الكبير بالذنب، لأنه يظن أنه ربما كان السبب.
وبدأت الأسئلة تتزاحم في داخلها:
لو أنني لم أتركهما وحدهما؟
لو أنني كنت بجوارهما؟
وفي وسط كل هذه المشاعر، غاب عنها للحظات معنى بسيط وعظيم:
أن ما حدث قد حدث، قدر الله وما شاء فعل.
الإيمان بالقضاء والقدر معادلة صعبة في واقعنا.
جميعنا نعرف معناها، ونؤمن بأن كل ما يحدث في هذه الحياة إنما هو بعلم الله وتقديره، ونقولها بسهولة حين نواسي شخصًا أصابته مصيبة:
«هذا أمر الله، قدر الله وما شاء فعل».
لكن ماذا يحدث حين نكون نحن أصحاب المصيبة؟
حين نقع نحن، وحين نتألم نحن؟
قد تتغير الأمور في داخلنا، نعيد الأحداث في أذهاننا مرة بعد مرة، وكأننا نستطيع بالأسئلة أن نعيد كتابة ما حدث. وهنا يأتي توجيه النبي ﷺ واضحًا:
«وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
رواه مسلم.
فالإنسان قد يراجع ما حدث ليعرف أين أخطأ، وهذا نافع، لكنه حين يظل يعيش في «لو» فإنه يتعب قلبه بشيء لم يعد يملك تغييره. هناك فرق بين أن نتعلم من الماضي، وبين أن نبقى أسرى له، نحن في هذه الحياة في اختبار دائم.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.. [البقرة: 155-157].
فالابتلاء قد يؤلمنا، وقد يجعلنا نمر بمواقف لا نفهم لماذا حدثت بهذه الصورة، وفي هذه اللحظات، نحتاج أن نتعلم كيف نعيش هذا الإيمان؛ نحزن، نتألم، ونبكي، فهذا من طبيعة الإنسان.
لكن لا نفقد يقيننا بالله وسط الألم، ولا نسمح لأسئلة «لو» أن تسرق منا السكينة، أو تجعلنا نظل عالقين في لحظة انتهت.
قد لا نفهم الحكمة من ذلك، لكننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا نعلم، وأنه يدبّر الأمر بحكمته، وأن العودة إليه هي من أعظم ما يحتاج إليه القلب، وربما يكون سببًا في أن يقترب الإنسان من الله ويكثر من الدعاء والتضرع، وأن يكتشف في نفسه صبرًا ويقينًا بالله لم يكن يعرف أنه يملكه.
وقد قال النبي ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
رواه مسلم.
فليكن حالنا كله خيرًا؛ إن أُعطينا شكرنا، وإن مُنعنا صبرنا، وإن أخطأنا رجعنا، وإن أصابتنا مصيبة قلنا:
قدر الله وما شاء فعل.
ولعلنا لا نستطيع أن نعيش هذا الإيمان كاملًا في كل لحظة، لكننا نستطيع أن نحاول، وأن ندرّب قلوبنا على الرضا، وأن نعود إلى الله كلما أثقلتنا الأيام.
وحين تقول لأحدهم يومًا: «قدر الله وما شاء فعل»، حاول أن تكون هذه الكلمات مستقرة في قلبك، اجعلها ردك الأول على كل مصاب لك أنت قبل غيرك.
قد لا تعرف الحكمة، لكنك تعرف رب الحكمة.
وقد لا تفهم الطريق، لكنك تثق بمن يدبّر الأمر.
كل الشكر والتقدير لصاحبة القصة، أنتِ أم عظيمة.