الرأي

سيكولوجية الوهم والعداء: قراءة في الحرب النفسية ضد المجتمع السعودي



حين ننظر إلى المشهد الممتد في مواجهة ميليشيا الحوثي، نكتشف أن المعركة لم تنحصر يوما في حدود جغرافية أو اشتباك عسكري تحسمه الدفاعات الجوية في السماء، بل امتدت إلى جبهة أخرى لا تقل أهمية، تُدار عبر الشائعات والمعلومات المضللة والمقاطع المجتزأة والمفبركة التي تنتشر عبر شاشات الهواتف. وفي هذه الجبهة الرقمية، تتقاطع رسائل الميليشيا مع حملات وأصوات معادية للمملكة، في محاولة للتأثير في إدراك المجتمع السعودي لواقعه، وإثارة القلق حول أمنه واستقراره.

ومن منظور نفسي، فإن صناعة الوهم ليست مجرد نشر لمعلومة كاذبة، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع في أذهان المتلقين. فعندما يعجز الخطاب الدعائي عن تقديم إنجاز حقيقي أو تأثير ميداني ملموس، قد يلجأ إلى صناعة رواية بديلة تمنح المتلقي شعورا بوجود نتائج وانتصارات لم تتحقق على أرض الواقع. ولهذا نرى أحيانا إعادة تدوير مقاطع قديمة، أو استخدام مشاهد من نزاعات أخرى، أو توظيف مواد لا علاقة لها بالأحداث الجارية، ثم تقديمها باعتبارها وقائع حديثة.

وهنا تظهر إحدى الآليات النفسية المهمة: التعويض. فحين تكون الحقيقة الواقعية غير متوافقة مع الصورة التي يراد ترسيخها، يصبح اختلاق صورة بديلة وسيلة لتخفيف التناقض بين الواقع المراد إنكاره والرواية المراد تصديقها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل من يشارك محتوى مضللا يدرك زيفه؛ فبعض المستخدمين قد يعيدون نشره نتيجة الخوف، أو التأثر بالتكرار، أو الثقة في مصدر غير موثوق.

وقد يتجلى التضليل في قلب نتيجة الحدث نفسها؛ فما يعترض في الواقع قبل وصوله إلى هدفه، قد تقدمه بعض الحسابات على أنه أصاب هدفه بالفعل، مستندة إلى مقاطع قديمة أو صور مجتزأة لا علاقة لها بالحدث. وهنا لا تقتصر الرسالة على نقل معلومة غير صحيحة، بل تسعى إلى صناعة صورة ذهنية توحي بوجود اختراق ونجاح لم يتحققا على أرض الواقع.

وتكمن قوة هذه الآلية في أن الإنسان قد يتأثر بصورة الحدث وروايته قبل أن يتحقق من تفاصيله. فحين تتكرر عبارة واحدة عبر حسابات متعددة، قد يبدو انتشارها وكأنه دليل على صحتها، رغم أن كثرة التداول لا تجعل المعلومة صحيحة. ومن هنا يصبح التحقق من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه جزءا أساسيا من مقاومة التأثير النفسي للمحتوى المضلل.

وهذا ما يجعل الحرب النفسية مختلفة عن المواجهة العسكرية التقليدية؛ فالمقذوف يستهدف موقعا محددا، بينما تستهدف الشائعة الإدراك. وهي لا تحتاج إلى السيطرة على الأرض حتى تحقق أثرا؛ يكفي أحيانا أن تعيد تفسير حدث لم يقع كما تصفه، أو أن تجعل المتلقي يشك في قدرته على قراءة ما يحدث من حوله.

غير أن نجاح هذا النوع من الحملات لا يعتمد على كثافة المحتوى وحدها، بل على قابلية المجتمع للتأثر به. وهنا يبرز الوعي المجتمعي بوصفه خط الدفاع الأول. فكلما امتلك الفرد القدرة على التحقق من المصدر، ومقارنة المعلومات، والتمييز بين الخبر والرأي، أصبح أقل عرضة لأن يتحول إلى حلقة في سلسلة إعادة نشر التضليل.

وقد أظهرت التجربة أن كثيرا من المواد المفبركة تفقد تأثيرها عندما تواجه مجتمعا أكثر وعيا بمصادر المعلومات وأكثر قدرة على التحقق منها. فالمحتوى الذي كان يراد له أن يصنع حالة من الخوف قد يتحول أحيانا إلى مادة للسخرية، عندما يكتشف الناس تناقضه أو قدم المقطع أو عدم ارتباطه بالحدث الذي نسب إليه.

ومن هنا، فإن مواجهة الحرب النفسية لا تكون بالرد على كل شائعة بشائعة مضادة، ولا بالانشغال الدائم بما ينشر في الفضاء الرقمي، وإنما ببناء وعي يجعل المجتمع أقل اعتمادا على الانطباع وأكثر اعتمادا على التحقق.

وفي المقابل، فإن استمرار الحياة اليومية بصورة طبيعية، ومواصلة التعليم والعمل والمشاريع التنموية، يمثل في حد ذاته عاملا مهما في مواجهة محاولات صناعة الخوف. فالمجتمع الذي يواصل حياته ويبني مستقبله رغم محاولات التشويش، يرسل رسالة عملية مفادها أن الشائعة لا تستطيع أن تصبح واقعا بمجرد تكرارها.

إن أخطر ما في الحرب النفسية ليس الكذبة ذاتها، وإنما قدرتها على دفع الإنسان إلى الشك في واقعه، أو التعامل مع الخوف باعتباره حقيقة قبل التحقق منه. ولذلك فإن الوعي الرقمي والنفسي لم يعدا ترفا، بل أصبحا جزءا من حماية المجتمع.

وفي النهاية، قد تستطيع الحملات المضللة أن تملأ الفضاء الرقمي بسيل متواصل من الادعاءات، لكنها لا تستطيع بمفردها صناعة واقع جديد. فالواقع تصنعه الحقائق، وتدعمه المؤسسات، ويحميه وعي المجتمع. وكلما ارتفع مستوى هذا الوعي، ضاقت المساحة التي يمكن للوهم أن يتحرك فيها.