الرأي

متى يصبح الصبر خيانة للنفس؟

يقال لنا منذ الصغر إن الصبر فضيلة، وكأن كثرة الاحتمال دليل كاف على قوة الإنسان، نصبر على الأيام الثقيلة، وعلى تأخر ما نريد، وعلى الظروف التي لا نملك تغييرها، وعلى أحلام تتعثر مرة بعد أخرى، ثم نواصل حياتنا ونحن نردد العبارة نفسها «اصبر، لعل القادم أفضل»، لكن الواقع الصادم أن ليس كل من احتمل كثيرا يستحق الإعجاب، وليس كل من بقي حتى النهاية كان قويا، وليس كل من قال «سأصبر» كان يملك حكمة لا نملكها، أحيانا يكون الصبر مجرد خوف طويل يرتدي ثياب الفضيلة حتى لا يضطر صاحبه إلى الاعتراف بأنه خائف، وهذه الحقيقة التي لا تعجب أحدا، لأن كلمة «صابر» تمنح صاحبها شيئا مريحا وهو الإعفاء من المسؤولية، فبدلا من أن يسأل نفسه، لماذا ما زلت هنا؟ ولماذا أقبل بهذا؟ وماذا فعلت طوال هذه السنوات كي أغير وضعي؟ يكتفي بأن يقول «أنا صابر»، وكأن الصبر إنجاز!

هناك من يصبر على حياة يكرهها، ثم يغضب من الحياة لأنها لم تتغير، وهناك من يصبر على عمل يستنزفه، لكنه لا يتعلم شيئا جديدا ولا يبحث عن بديل، وهناك من يصبر على حلم انتهت فرصه، لا لأنه ما زال يؤمن به، بل لأنه لا يحتمل الاعتراف بأنه أخطأ الطريق، وهناك من يصبر على علاقة تستنزفه لأنه يخشى البدء من جديد، وهناك من يصبر على ظروف يستطيع تغيير بعضها، لكنه يفضل انتظار المعجزة على تحمل مشقة التغيير، ثم يأتي في النهاية ليقول «لقد فعلت كل ما أستطيع»، وهنا السؤال الحقيقي هل فعلت حقا؟ أم أنك فعلت الشيء الأسهل وهو التحمل؟

التحمل ليس دائما فعلا، أحيانا يكون امتناعا عن الفعل، وهنا تكمن الخدعة الكبرى في تقديس الصبر، لأنه قد يجعل الإنسان يشعر بأنه يتحرك، بينما هو في الحقيقة يقف في مكانه، هناك فرق بين أن تصبر لأنك تعمل، وتحاول، وتتعلم، وتعيد المحاولة، وبين أن تصبر لأنك لا تريد أن تتحمل تكلفة التغيير، الأول صبر، أما الثاني استسلام مؤجل، والأسوأ أن المجتمع كثيرا ما يكافئ هذا الاستسلام، بدلا من أن يسأله إلى متى ستظل تهدر عمرك ثم تسمي ذلك صبرا؟

ليس مطلوبا منك أن تتحمل كل شيء، هذه نقطة يجب أن نفهمها جيدا، فقدرتك على احتمال الإهانة لا تعني أنك مطالب بقبولها، وقدرتك على العيش في البؤس لا تعني أن البؤس أصبح قدرا محتوما، وقدرتك على الانتظار عشر سنوات لا تعني أن السنوات العشر القادمة يجب أن تكون نسخة أخرى من الماضية، أحيانا يكون الإنسان مسؤولا عن معاناته أكثر مما يحب أن يعترف، ليس لأنه اختارها، وإنما لأنه عرف أنها مستمرة ولم يفعل شيئا لتغييرها، وهذا هو الجانب الذي لا نحب مواجهته، قد لا تكون الحياة هي التي تؤخرنا دائما؛ قد نكون نحن الذين نؤجل أنفسنا، ثم نغضب لأن العمر سبقنا، لذلك، قبل أن تفخر بأنك صبرت طويلا، اسأل نفسك سؤالا أكثر قسوة: ماذا صنعت بهذا الصبر؟

إن كان قد منحك قوة، ومعرفة، ونضجا، وقرّبك من شيء يستحق، فتمسك به، أما إن كان قد جعلك أكثر خوفا، وأكثر اعتيادا على الألم، وأكثر عجزا عن اتخاذ القرار، فلا تسمه صبرا، بل سمه باسمه الحقيقي. أمضيت سنوات كنت تعرف فيها أنك يجب أن تتحرك، لكنك اخترت أن تنتظر، فليس كل من صبر انتصر، بعض الناس صبروا حتى انتهت حياتهم، ثم اكتشفوا أنهم لم يكونوا ينتظرون الفرج، كانوا ينتظرون أن يتخذ أحدهم القرار نيابة عنهم.