التمنهج قبل الاستدلال.. وحكاية القطط!
الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦يحكى أن في حديقة ما عددا من القطط، وكانت هذه القطط هزيلة للغاية، وكانت بالكاد تجد طعامها، ومنذ سنوات، لم يتغير شيء؛ فقد ظلت هذه القطط على عددها المتواضع وهزالها الواضح، حتى وفد إلى المكان ساكن جديد كان يقيم الولائم للأصدقاء، الواحدة تلو الأخرى، وتكاثرت القطط في الحديقة. ذهب بعض رواد الحديقة للشكوى من القطط وكثرتها وطلبوا التخلص منها، بينما رأى آخرون أنهم بدأوا يفقدون عددا من القطط الجميلة بسبب من يشتكي منها، وشكلت مجموعة من البنات الصغيرات فريقا للدفاع عن القطط المظلومة، وطالبت البلدية بالإفصاح عن سبب اختفاء بعض القطط، أما فريق الشباب المراهق فقد يكون هو المتهم الرئيسي في ظهور إصابات جسدية خطيرة في أجساد القطط، نتيجة رجمها بالحجارة، ونشأ صراع بين الكبار حول القطط: قسم يحب القطط ويشجع وجودها، والآخر يشعر بالأذى منها ويطالب بالتخلص منها، وفجأة ظهرت حساسية جديدة في الحارة لم يعرف أحد لها حلا، فقد تجمع سكان الحي في مستوصف الحي وكأنهم على موعد، وهم يشتكون جميعا من الحساسية نفسها، بينما لم يشتكِ مركز صحي آخر من هذا الأمر.
لم يلاحظ أحد أن المشكلة لم تكن قديمة أو شائعة، بل جديدة وقادمة مع مجموعة من القطط التي طلت بهيبتها المعهودة على الحارة، بل لم ينتبه أحد إلى أن وجود هذا العدد الهائل من القطط ليس هو القضية الرئيسية في هذه الحديقة العامة، بل مشكلة ذاك الساكن الذي ما فتئ يرمي الطعام، وهو يطبخ أكثر من حاجته وحاجة ضيوفه، حتى أغرى القطط بالسكن والتكاثر والانتقال، حتى صارت الحديقة بيئة للأمراض.
يمكن القول إن القطط في الشوارع ظاهرة غير صحية؛ وربما هي بيئة جاهزة لانتقال بعض الأمراض، وفوق ذلك، هي مؤذية للأطفال وربما للممتلكات، لكن هذه مظاهر الإشكالية وليست الإشكالية نفسها!
ثمة أمر مهم للغاية، التركيز على القطط يعطينا انطباعا عن طريقتنا في التعاطي مع مشاكلنا، فمحاولة حل مشكلة القطط تعني محاولة معالجة إشكالية الأعراض وتجاهل المرض نفسه، فليست المشكلة في القط وحده ولا في وجوده، بل في البيئة التي أتاحت له التكاثر والتحول إلى مشكلة، فإن لم يحسن الناس التعامل مع فائض طعامهم من جهة، ويخشوا الله من جهة أخرى في هذه النعمة، وإن كانت مشكلتنا في القطط اليوم؛ ربما ستكون المفاجأة غدا مع الكلاب! ولا تأمنن ظهور حشرات وحيوانات أخرى، والمهم في تناولنا لهذا الأمر هو ذهاب بعض الناس بعيدا عن أصل المشكلة نحو أعراضها، بينما يجب أن نركز على أصل المشكلة!
الناس تتبنى موقفا معينا وهي لا تراجع حججها، ولا تفكر في حجج الخصوم، وكل ما تركز عليه هو كسب القضية فحسب، وعودة للمثال: فلا تتأمل في أن القطط السائبة بيئة لانتقال الأمراض، وأن القطط مأمونة الجانب صحيا هي التي يتم الاعتناء بها في المنازل، وهو ما يعبَر عنه بـ«التمنهج قبل الاستدلال»، بينما الواجب هو العكس!
علينا ألا نجر وراء معالجة مظاهر جانبية للمشكلات مع إغفال مسبباتها الجذرية. إن تكاثر القطط السائبة وما تبعه من خطورة صحية وصراعات مجتمعية لم يكن سوى عرض ناتج عن سلوك غير مسؤول يتجسد في هدر الطعام وإلقائه دون وعي، ولو تأملنا أكثر المشكلات لوجدت من يسحبك نحو الأجزاء الهامشية بعيدا عن الأسباب الرئيسية!