الرأي

لم نفترق.. ولكننا لم نعد معا

كنت أبحث في هاتفي عن اسم شخص ما، فمررت باسم صديق قديم. توقفت قليلا أتأمله. لم يكن الاسم غريبا وفي الوقت نفسه لم يكن قريبا، كان يوما من أكثر الأسماء حضورا في هاتفي وفي حياتي.

تساءلت: متى افترقنا؟ بحثت في ذاكرتي عن موقف أخير، عن خلاف، عن كلمة قاسية، عن شيء يمكن أن أعلق عليه نهاية تلك الصداقة، فلم أجد. لم يحدث شيء. وهذه ربما أغرب النهايات؛ أن تنتهي علاقة جميلة دون أن يقرر أحد إنهاءها.

في مراحل مبكرة من العمر، لم نكن نحتاج إلى مواعيد كي نلتقي بأصدقائنا. كانت المدرسة والجامعة والحي والمجالس تجمعنا، وكان الوقت واسعا بما يكفي لمحادثة لا موضوع لها، ولقاء لا مناسبة له. كنا نعرف تفاصيل صغيرة عن حياة بعضنا لا قيمة لها في ظاهرها، لكنها كانت تصنع ذلك الشيء الكبير الذي نسميه الصداقة.

ثم كبرنا. دخل العمل إلى أيامنا، وتزوج بعضنا، وجاء الأبناء، وكثرت الالتزامات، وصار اليوم أقصر مما نحتاج. لم نتخلَ عن أصدقائنا، ولم يتخلوا عنا؛ فقط بدأنا نؤجل اللقاء. مرة لأن هذا مشغول، ومرة لأن ذاك مسافر، ومرة لأن الأسبوع مزدحم، ثم نتفق بحماس صادق: «الأسبوع الجاي بإذن الله».

ويمر الأسبوع. ومع كثرة التأجيل يحدث شيء لا ننتبه إليه. تقل التفاصيل التي نعرفها عن بعضنا، ثم تقل المكالمات، ثم تتحول المكالمة إلى رسالة، والرسالة إلى تهنئة في مناسبة، حتى يصبح الشخص الذي كان يعرف ماذا حدث لك صباح اليوم، شخصا لا يعرف ماذا حدث في حياتك خلال العام الماضي.

ومع ذلك، تبقى المحبة. لو التقيتما مصادفة بعد سنوات، ستفرحان فعلا. ستتعانقان بحرارة، وتستعيدان في دقائق أسماء ومواقف وضحكات ظننتما أن الزمن محاها. وستقولان، بصدق أيضا: «والله ما يصير.. لازم نتقابل».

وربما لا تتقابلان.

ليست المشكلة دائما أن الحياة فرقتنا؛ فنحن أحيانا نحمل الحياة أكثر مما فعلت. الحقيقة الأقل راحة أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى خصومة كي تنتهي، بل يكفي ألا نجد لها مكانا في أيامنا. فالمحبة تحفظ مكانة الإنسان في القلب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحفظ حضوره في الحياة.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الصداقات أننا لا نستطيع حتى أن نحزن عليها كما نحزن على العلاقات المنتهية؛ فلا أحد رحل تماما، ولا باب أغلق، ولا كلمة أخيرة قيلت. كل ما حدث أن المسافة بين لقاءين طالت، ثم طالت أكثر، حتى أصبحنا نقف على طرفيها وننظر إلى سنوات بينهما كان يفترض أن نلتقي خلالها.

لدينا، على الأرجح، جميعا صديق كهذا. شخص لم نختلف معه، ولم نغضب منه، ولم نقل له يوما وداعا. وما زلنا حين يمر اسمه أمامنا نشعر بشيء من الألفة، وشيء آخر يشبه الأسف.

لم نفترق حقا.. ولكننا لم نعد معا.

فبعض الصداقات لا تنتهي بباب يغلق؛ تنتهي بباب ظللنا نقول إننا سنطرقه غدا.