تفاعل

الترجمة الثقافية: انظر إلى بيت الطين الذي تظنه تراثا!

"وجدار من طين وحصير". هكذا استدعى الأمير الراحل بدر بن عبدالمحسن رمزية الحنين إلى الماضي من خلال بيت الطين، حيث يتغنى هذا البيت الشعري ببيت طيني كان يوما جزءا من المشهد الذي عاش فيه الأولون، قبل أن يتحول اليوم إلى رمز من رموز الماضي "التراث" إن صح الوصف.

لنتأمل بيت الطين والذي لم يكن في زمنه آنذاك "تراثا" بالمعنى الذي يعرف به اليوم. بل كان مسكنا لا بل وأسلوب حياة، لم يبن ليكون شاهدا على مرحلة عمرانية، ولا ليحمل صفة تراثية أو هوية بصرية. لكنه تبدل مع مرور الزمن في ذاكرتنا؛ من مسكن إلى أثر نستعيد من خلاله ما مضى، ثم إلى تراث نقصده لنقرأ تاريخه. ولعل هذا التحول يستدعي سؤالا: كيف نترجم الثقافة حين تنتقل من كونها نمط حياة إلى كونها تراثا نزوره ونقصده؟

تكمن المفارقة في أننا ربما لا نرى الثقافة كما كانت، بل نرى شيئا مما تبقى منها بعد أن تلاشت، فما بالك حين يصبح بيت الطين مزارا؟ هنا لا تنتهي الحكاية عند الحفاظ على جداره الطيني، بل تبدأ من الطريقة التي ننظر بها إليه. هل نشعر بشيء من الانتماء إليه حين نزوره، أم نراه مجرد أسلوب حياة عاشه أجدادنا ثم اضمحل وأفل؟

من جديد، لو نظرنا اليوم بعين فاحصة إلى البيت الطيني، سنلاحظ حصيلة معرفة عتيقة مرتبطة بالإنسان والمكان، وممارسة تكررت حتى استقرت في هيئة عمرانية. لكننا لا نلاحظ الحاجة التي استدعته. من هنا تكتسب الترجمة الثقافية معناها؛ وفي العودة إلى أصل الشيء. فما نراه في النهاية ليس إلا آخر حلقة من حكاية أطول؛ بدأت بحاجة، ثم معرفة، ثم ممارسة، قبل أن تستقر في الصورة التي نسميها اليوم تراثا.

لو سألتك: ما الفرق بين الحفاظ على الشيء وأن تبقيه كما هو؟ وهل يكون الحفاظ دائما بإبقاء شكله، أم أن ما يستحق أن يبقى قد يكون شيئا آخر ليس بالضرورة أن نراه. ربما لهذا لا تكفي زيارة المكان التاريخي لمشاهدة ما بقي منه. فالمكان لا يستعيد معناه بمجرد أن نراه، وإنما حين نستطيع أن نقرأ ما بين ثناياه، وعندها فقط لا يصبح التراث شيئا نتركه خلفنا حين نغادر المكان، بل معرفة تبقى وتستقر بأذهاننا وتساعدنا على النظر إلى حاضرنا بطريقة مختلفة. فانظر إلى بيت الطين الذي تظنه تراثا؛ فربما لا يكون ما بقي منه هو التراث بل شيء أعمق من ذلك بكثير.