مفارقة سليمان
الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦يأتيك صديق مرتبكا من خلاف مع شخص عزيز، فتسأله عما حدث، وما الذي يعرفه يقينا، وكيف يرى الطرف الآخر الموقف، وتنصحه أن يؤجل قراره حتى تهدأ نفسه. وبعد أيام، تجد نفسك في خلاف مشابه؛ فتغيب عنك الأسئلة التي طرحتها عليه، ويستولي تفسير واحد على المشهد: أين ذهبت حكمتك؟
لقد وجد عالما النفس إيغور غروسمان وإيثان كروس ما يشبه هذا التفاوت في دراسة نشراها عام 2014، وسمياه (مفارقة سليمان)، حيث قارن الباحثان بين أشخاص تخيلوا أزمة تقع لهم، وآخرين تخيلوا وقوعها لشخص قريب، وكان من يفكرون في أزمة غيرهم أكثر استعدادا لطلب معلومات إضافية، والنظر في مواقف أطرافها، وتوقع أكثر من نهاية لها، وقد سمى الباحثان هذا الأسلوب (تفكيرا حكيما)؛ لأنه يوسع فهم الموقف قبل اتخاذ قرار بشأنه.
ويرتبط الفرق، في تفسير الباحثين، بموقع الإنسان من الحدث، فمن الخارج يستطيع أن ينظر إلى خلاف صديقه بوصفه موقفا يتغير مع الوقت، وتتداخل فيه رغبات أكثر من طرف. أما حين يمسه الخلاف، فينشغل بما وقع عليه منه، ويصبح ذلك الجزء مركز الصورة. إن قربنا من الحدث يمنحنا تفاصيل مهمة، لكنه قد يجعل بعض التفاصيل الأخرى أقل ظهورا في اللحظة التي نحتاج فيها إليها.
وهناك فرق آخر نعرفه من التجربة اليومية: تقديم النصيحة أيسر من تحمل نتائجها، حيث يستطيع الصديق أن يقترح الصبر أو المواجهة أو المصالحة، ثم يمضي إلى يومه. أما صاحب المشكلة، فسيعيش ما يترتب على اختياره في علاقته وبيته وعمله؛ لهذا يحتاج إلى من يساعده على التفكير، وإلى وقت يزن فيه ما يستطيع تحمله، كما تظهر قيمة المشورة حين توسع رؤيته للقرار، مع إبقاء القرار في يده.
وقد اختبر الباحثان طريقة تساعد الشخص على اكتساب شيء من هذه المسافة وهو يفكر في شأنه الخاص؛ فقد طلبا من بعض المشاركين أن يتأملوا الموقف كما لو كانوا يراقبون أنفسهم، وأن يستخدموا أسماءهم أو ضمير الغائب أثناء ذلك، وقد أظهر هؤلاء تفكيرا أوسع من المشاركين الذين تأملوا الموقف بضمير (أنا). إن تغيير طريقة النظر لم يغير ما حدث، لكنه ساعدهم على التعامل مع جوانب منه كانت أقل حضورا لديهم.
ويمكن تجربة ذلك في خلاف عائلي، فقبل إرسال رسالة حاسمة أو قطع زيارة اعتادها الطرفان، يكتب المرء ما قيل وما جرى، ثم يقرأه بعد هدوء كأن شخصا آخر عرضه عليه، فقد يتبين له أن الوقائع تكفي لاتخاذ موقف، وقد يجد بينها معنى نسبه إلى نية الطرف الآخر من غير أن يسأله، وهذه الوقفة تمنحه فرصة ليختار كلماته ووقته على أساس أوضح.
لقد قاست الدراسة طريقة التفكير في مواقف متخيلة؛ ويبقى نجاح القرارات في الحياة الفعلية أمرا آخر، تصنعه ظروف العلاقة وما يحدث بعدها؛ ومع ذلك تلفت (مفارقة سليمان) انتباهنا إلى مهارة قريبة: أن نستعين، ونحن داخل الموقف، بشيء من سعة النظر التي تتاح لنا حين نراه من الخارج.
إنه حين لا تكون الحكاية حكايتنا، يسهل أن نرى الطريق من جوانب عدة، وحين تصبح حكايتنا، قد نحتاج إلى خطوة قصيرة إلى الوراء؛ لنرى أين نقف، وإلى أين يمكن أن يقودنا القرار.