استدامة الإعلام: من يعلّم من؟
الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦في تونس، التحقت خريجة إعلام عام 2014 بوكالة أنباء دون خبرة تذكر، فتبناها الصحفي المخضرم عادل الثابتي لأسابيع قليلة، علمها خلالها فنون بناء القصة الصحفية وكيفية كسب ثقة المصادر المترددة، لتتحول في غضون أشهر لا سنوات من خريجة تائهة إلى صحفية محترفة، وقد وثقت شبكة الصحفيين الدوليين (IJNet) هذه التجربة بوصفها شهادة حية على أثر التوجيه الفردي في صناعة الكفاءات الإعلامية، لم يكن ذلك نتاج برنامج مؤسسي، بل قرار فردي من رجل آمن بأن الخبرة تورث لا تكتسب بالمصادفة، وهنا يبرز التساؤل: هل فكرنا في جعل إعلامنا مستداما، أم سنظل ننتظر ظهور «ثابتي» يتبنى موهبة صاعدة في كل مؤسسة.
لا يموت الإعلام بتوقف المطابع أو إغلاق الاستوديوهات بعد التحول إلى «البودكاست»، بل يموت حين تستنزف الكفاءات التي تصنعه دون أن تنقل خبراتها للأجيال اللاحقة؛ فكل جيل يمتلك أدوات أحدث ممن سبقه، لكنه في غياب نقل منظم للخبرة يبدأ من الصفر، فتهدر عقود من التراكم المعرفي مع كل دورة تقنية جديدة، وهذا ما تعيشه مراكز الاتصال الحكومية اليوم؛ فهي تمر بمرحلة استثنائية من حيث الصلاحيات والميزانيات والدعم ضمن مستهدفات التحول الوطني، غير أن الاستثنائية وحدها لا تصنع الاستدامة، فما لم تبن على هذه المرحلة منظومة واضحة للتراكم المعرفي، ستتحول إلى فرصة تاريخية ضائعة، بدلا من أن تكون أساسا راسخا لعقود قادمة.
ألم نفكر في تلك الثروة التي تهدر على مدار أربع سنوات من عمر الطالب دون استثمار حقيقي؟ فهؤلاء الطلاب لا يجدون في تخصصاتهم ما يربطهم بالجانب الميداني، وتؤكد الأرقام اتساع هذه الفجوة عالميا؛ ففي إسبانيا، كشفت دراسة أجرتها جامعة «كارلوس الثالث» بمدريد عام 2020 أن 47% من الوظائف الإعلامية تتطلب مهارات تسويقية تغيب كليا عن المناهج الجامعية. وفي بريطانيا، أظهر مسح للمجلس الوطني لتدريب الصحفيين شمل 217 مؤسسة أن 71% من أصحاب العمل يرصدون فجوة مهارية واضحة لدى الخريجين الجدد. أما في كينيا، فبينت دراسة لجامعة «الآغا خان» عام 2024 أن مهارات سرد البيانات، والإنتاج الرقمي، والذكاء الاصطناعي هي الأكثر طلبا والأندر توفرا بين خريجي الإعلام. إنها ليست أزمة محلية، بل نمط عالمي متكرر يُثبت أن ردم الهوة بين التعليم والميدان لا يتحقق بالمزيد من المحاضرات النظرية.
يبدأ الحل من الجامعات المطالبة بدعم طلاب أقسام الإعلام والعلاقات العامة والتسويق، والتنسيق عبر البرامج الحكومية لمنحهم تجارب ميدانية حقيقية، بحيث لا يُعامل الطالب كمتطوع ينفذ الأوامر، بل كموظف متدرب تسند إليه مهام يطورها بنفسه ويحتك يوميا بخبرات الميدان. وعمليا، ينبغي لإدارات الاتصال الحكومية استحداث دور «مستشار تطوير الكوادر»؛ حيث يُختار خبير معتمد داخل كل إدارة، يكون وصفه الوظيفي نقل المعرفة للمتدربين والموظفين الجدد لا إنجاز الحملات أو صياغة البيانات، ويقاس أداؤه بعدد الكفاءات التي أهلها لا بعدد المهام التي أنجزها بنفسه، على غرار «التلمذة المهنية الموجهة» المعتمدة في مبادرة جوجل الإخبارية وأكاديمية بي بي سي. كما يجب أن يتحول الابتعاث الداخلي بين مراكز الاتصال الحكومية والشركات السعودية الرائدة من استثناء موسمي إلى مسار مؤسسي دائم، على غرار مسابقة «الأسود الشابة» في مهرجان «كان الإعلاني» لاكتشاف الجيل القادم من المبدعين.