استنقاذ الأرواح من فوضى الاستعراض ومأزق الارتجال
الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦تضعنا التجربة الاجتماعية المعاصرة أمام مفارقة تستوجب فحصا نقديا وأخلاقيا عميقا، إذ ترى المرء يعمل أعلى درجات الحذر والتحوط حين يزمع خوض تجربة استثمارية لا تتجاوز بضعة آلاف من الريالات فيقلب وجوه النظر ويدرس المخاطر ويستشير أهل الاختصاص ويحسب للخطوة الواحدة ألف حساب قبل أن يخرج ريالا واحدا من جيبه!! في المقابل تدار ملفات «الجاهيات» القبلية ومساعي العفو في قضايا الدماء، وهي الملفات التي تتأرجح بين استنقاذ نفس بشرية من القصاص أو إسلامها لمصيرها المحتوم، وتبذل فيها ملايين الريالات التي تستنزف من كاهل المجتمع بمنطق العفوية الساذجة والتطفل الارتجالي والاتكاء المطلق على حسن النوايا!
إن الشفاعة في إسقاط القصاص مكرمة إنسانية متجذرة في وجداننا القيمي وسنة نبوية شريفة تشهد للمجتمع بيقظة ضميره وحرصه على إحياء النفوس ورأب الصدع وإغلاق منافذ الثأر والضغائن، غير أن تحول هذه الشفاعة في كثير من وقائعها المعاصرة إلى اندفاعات انفعالية غير محسوبة العواقب يجعل من «هندسة الشفاعة» ضرورة عقلية وأخلاقية لانتشال هذا المسعى النبيل من وحل العشوائية إلى أفق الرصانة والتخطيط.
بين نقاء المقصد وزلل التطبيق
لا يماري عاقل في الجوانب المشرقة التي تحملها لجان السعي ووفود الصلح (وأنا هنا لا أتحدث عن اللجان الرسمية) فهي تجسيد بليغ لقيم التضامن الإنساني وإعادة لترميم أسر أوشكت على الانهيار، بيد أن هذا البياض الناصع بات يواجه تشوهات مسلكية تعصف بمصداقيته وتهدد مقاصده السامية لعل أبرزها:
جمود الخطاب واستهلاك الآليات: مقاربة ملفات الدماء المعقدة بنمط واحد وعبارات مكررة تفتقر إلى الفهم الدقيق لخصوصية كل قضية وجهل تام بالتركيبة النفسية والاجتماعية لأولياء الدم ومفاتيح التأثير الحقيقية فيهم.
سيادة الانفعال وغياب السيناريو المؤسسي: إدارة هذه المواقف المصيرية بالكلمات المستهلكة والعواطف اللحظية دون توزيع مدروس للأدوار أو دراسة استباقية لطبيعة ولي الدم وما يتطلبه مقامه من ملاينة أو حزم أو مداراة.
التواطؤ مع ابتزاز الديات: التهافت غير الرشيد على توقيع شيكات بمبالغ خيالية تحمّل المجتمع أعباء باهظة دون مراجعة أو تدقيق، مما حول الشفاعة الشريفة إلى بورصة مفتوحة ومزادات تستنزف الجيوب وتفرغ العفو من أبعاده الإيمانية.
كرنفالات الاستعراض وصخب المنصات: انزلاق بعض مساعي الصلح واللجان الصوتية إلى منصات للثرثرة والاستعراض والركض خلف الوجاهة الزائفة، وهذا التجييش الرقمي والصخب المفتعل كثيرا ما يجرح مشاعر أولياء الدم ويستفز كبرياءهم ويفسد مساعي هادئة بذلت فيها جهود مضنية خلف الأبواب المغلقة.
نحو هندسة عقلانية للشفاعة: إن استنقاذ أرواح الناس وصيانة أموالهم ومشاعرهم يقتضيان التحرر من سطوة الصخب عبر مصفوفة عمل منهجية تقوم على خمسة أركان:
أولا: قراءة الحالة وتحليل القضية والبيئة وكل مؤثر فيها: التعامل مع كل قضية كملف مستقل بذاته وفحص ملابساتها النفسية والاجتماعية، وتفكيك دوافع أطرافها بعيدا عن القوالب الجاهزة والحلول المعلبة.
ثانيا: نوعية الوسيط وفاعلية التأثير: كسر احتكار الوجوه التقليدية التي تظهر في كل محفل والبحث عن الشخصيات «المفتاحية» ذات التأثير الوجداني المباشر على ولي الدم، ولو لم تشارك إلا في هذه القضية حصرا مع رسم سيناريو دقيق للحوار وتوقيتات الكلام والسكوت وحتى التلويح بالانسحاب متى ما اقتضت المصلحة.
ثالثا: إدارة الخطاب وتفاوض المراحل: صياغة الكلمة بحساب ميزان الذهب، فإن كان أهل الباطل يتقنون حبك شباكهم فأولى بأهل الحق أن يزنوا نبرة الخطاب ويتحينوا أوقات الدخول والخروج وتجزئة التفاوض على مراحل زمنية لا تستعجل حرق الأوراق قبل ضمان التقبل المبدئي.
رابعا: ترشيد المبالغ والتصدي للمساومة: إرساء ميثاق شرف مجتمعي يضع سقفا منطقيا للديات ورفض التنازلات المشروطة بأرقام تعجيزية تحيل المأساة إلى استثمار، وذلك عبر تفاهمات مبدئية حازمة تسبق إعلان السعي للصلح حتى لا يبتز المجتمع باسم الإحسان.
خامسا: قداسة الكتمان وإلجام الاستعراض: فرض السرية التامة كشرط جوهري للشفاعة وتجريم البث الرقمي والاستعراض الميداني حفظا لكرامة أولياء الدم وصونا لماء وجه أسرة الجاني وضمانا لعدم إفساد الضمائر قبل إتمام المسعى.
إن دماء البشر وأقدار العائلات ليست حقلا للتجارب أو مسرحا لصناعة البطولات العابرة وإذا كان حسن التخطيط والتحوط شرطا لسلامة الصفقات المالية الزائلة، فهو لأجل حفظ الأنفس وصيانة كرامة المجتمع الإنساني أوجب شأنا وأعظم قدرا.