الرأي

اتفاقية مكة من التوقيع إلى النضج



لعل اتفاقية مكة للدفاع المشترك لا تزال اتفاقية بكرا، حيث تم توقيعها حديثا، ومن الطبيعي ألا تنتقل من لحظة التوقيع إلى تكامل العمل السياسي والميداني العسكري المشترك مباشرة.

أي حلف دفاعي برز في التاريخ احتاج إلى مراحل تفاهم ونضج، والقفز على هذه المراحل هو السبب في فشل أحلاف كثيرة لم يسمع بها أحد.

وما حدث في الأيام الأخيرة من اجتماعات لوزراء الخارجية، ثم اجتماع لرئيس هيئة الأركان العامة السعودي برؤساء هيئات أركان الدول الأطراف في الاتفاقية، لهو جزء من مرحلة بناء الثقة وتوحيد التوصيف، وهي مرحلة لا يمكن تجاوزها.

وردا على كل من يشكك، ويتداول على مواقع التواصل، سنشرح كيفية عمل الاتفاقية العظمى.

فالمبدأ التأسيسي واضح ومتفق عليه، بأن أي اعتداء على دولة طرف يعد اعتداء على الأطراف الأخرى، وهو مبدأ قائم ومفعل كنص دبلوماسي ردعي في اتفاقية مكة.

لكن التفعيل العملي للرد يخضع لتقييم ظرفي سيادي مرن:

بغضبة الدولة المعتدى عليها أولا، وتعاملها الدبلوماسي مع المنظمات العالمية، وقيامها بالتصرف المناسب على أرض الواقع، ثم يأتي دور الدول الأطراف مجتمعة بأن تدرس وتقدر طبيعة الاعتداء ومستواه وخطره، وما إذا كان يتطلب موقفا سياسيا موحدا، أو دعما استخباراتيا ولوجستيا، أو تدخلا عسكريا مشتركا، وبأي حجم.

وهذا التدرج المنطقي هو ما يمنح الاتفاقية عقلانيتها، ويحميها من أن تتحول إلى عبء على أعضائها.

ويسأل البعض: لماذا لا يمكن التفعيل الفوري؟

وجوابه أن الاتفاقية تبني خطوط ومسؤوليات تدخلها، أملا بأن تصبح قوة إقليمية منسقة واحدة، وهذا يحتاج لمد الجسور وتفعيل العمل المتراكم.

لا يمكن لثلاثة جيوش بعقائد تسليحية مختلفة، ومسارح عمليات متباعدة، وتاريخ واستراتيجية، ونظرات للمستقبل متباعدة، أن تعمل كجسد واحد بين ليلة وضحاها.

لذلك يجب أن تمر الاتفاقية بأربع درجات حتمية حتى تكتمل:

الأولى: درجة الوضوح السياسي: وهي ما يحدث الآن. اجتماعات الخارجية والعسكريين لتوضيح الأغراض والمعاني، وتعريف ماهية الاعتداء، وما هو التهديد المشترك، وما هي خطوط التماس السياسية.

الثانية: درجة سلاسة التقارب والتفاهم العملياتي: بناء الثقة عبر تبادل المعلومات، ربط أنظمة الإنذار المبكر، توحيد مصطلحات القيادة والسيطرة، وعصف ذهني على طاولة اختبار القرار.

الثالثة: درجة التكامل المحدود: مناورات ميدانية مشتركة، حماية جوية وبحرية مشتركة في مناطق محددة، ودعم لوجستي متبادل، دون قيادة موحدة دائمة.

الرابعة: درجة النضج والجاهزية الكاملة: بقيادة مشتركة، تخطيط عملياتي موحد، وتوزيع الأدوار حسب القدرات والسبق، وهذا لن يحدث إلا بعد سنوات من التقارب والعمل، وهو الهدف الأبعد للاتفاقية.

ولعل هذا بيت القصيد: فكل بلد من البلدان الثلاثة سيقيس الاتفاقية على مقاساته، على قدرته العسكرية والاقتصادية، على حماسه السياسي، على الجدوى العملية، وعلى كلفتها وفائدتها.

وهذا القياس مشروع وصحي، وهو ما يجعل الاجتماعات الحالية ضرورية، لأنها مرحلة تتيح لكل طرف أن يفهم ما له وما عليه قبل الانتقال لمراحل أكثر جدية، يفترض فيها منع سوء الفهم الاستراتيجي.

اجتماعات اليوم إذن ليست إعلان حرب، بل هي إعلان نية لبناء حلف ينسجم وينضج بتدرج، ورسالة ردع تقول: الاتفاقية وُقعت، وآلية تفعيلها بدأت، ومستقبلها سيكون أكثر منطقية وجدية كلما زادت الثقة وصدقت النوايا.