الرأي

المدينة النيوليبرالية



هل صحيح أن بعض المدن الكبرى في العالم تحولت بالفعل إلى شركات استثمارية؟ المدينة ربما تعتمد على اقتصاد السوق وهذا أمر طبيعي؛ ولكن عندما تتحول سياسات المدينة نفسها إلى غاية استثمارية فهذا يحمل دلالة أعمق مفادها أن منطق السوق أصبح هو المهيمن على تخطيط المدينة. مدن عديدة تبنت منطق الاستثمار، والاقتصاديون يرون ذلك نموذجا ناجحا لتحفيز النمو. نعم، لقد تحول الفضاء الحضري من «فضاء اجتماعي» إلى «فضاء استهلاكي» ففي المدينة النيوليبرالية The Neoliberal City تحول كل شيء إلى استثمار وخصخصة حتى الفراغ العمراني؛ وتحول السكان إلى مستهلكين أو عملاء تقاس قيمتهم بقدرتهم الشرائية. القضية هنا ليست قضية عوائد اقتصادية كما يعتقد البعض؛ بل هي قضية مجتمع، فبدلا من أن يكون سؤالنا هو كيف يعيش المجتمع؟ يصبح السؤال كم قيمة المجتمع القادر على العيش؟

أشرت سابقا إلى أن دور التخطيط العمراني هو تحقيق التوازن بين قوى السوق والمصلحة العامة، فبينما يبحث السوق عن تحقيق أعلى قدر من الإيرادات، يحاول التخطيط العمراني ردم الفجوة بين المجتمع والسوق من خلال تطوير السياسات العمرانية العادلة. السوق يمكن أن يحقق استثمارا ضخما ووظائف وابتكارا، ويعزز من الجاذبية العالمية للمدينة؛ ولكن عندما تخضع السياسات الحضرية لقوى السوق يتحول كل شيء إلى سلعة تقدم لمن يمتلك المال. لقد تحولت بعض المدن فعلا إلى مدن استثمار أكثر من كونها مدنا بالمفهوم الحضري. المفترض أن يعمل التخطيط العمراني على تحقيق المصلحة العامة وتوجيه الاستثمار لخدمة مجتمع المدينة؛ أي أن الاستثمار هو أداة لتحقيق أهداف المدينة. ولكن تغيرت الاستراتيجية فأصبحت المدينة نفسها هي أداة لتحقيق أهداف الاستثمار.

إن المدينة النيوليبرالية تسعى لتعظيم الاستثمار لتنتج مباني ضخمة وحدائق وشوارع فسيحة ومسارات مشاة ومشاريع تجديد حضري قسري من منطوق عقاري محض قائم على تعظيم القيمة الاقتصادية دون تفكير بالقيمة الاجتماعية. أنا لست ضد التحول الاستثماري مقابل وجود سياسات حضرية عادلة تحمي المجتمع؛ ولكن عندما تكون غاية المدن هي الاستثمار يتحول الفضاء الحضري إلى مجرد سلعة تتجاوز حدود القدرة الاقتصادية لمتوسطي الدخل والفقراء. تعزز المدينة في هذه الحالة الإقصاء الاجتماعي والفصل الطبقي بشكل واضح، ويستمر هذا الإقصاء كلما ارتفع تصنيف المدينة عالميا، فمن يدفع هو القادر على التمتع بخدمات نوعية في حين يعيش السكان الأقل دخلا في قاع المدينة. وهكذا تعمل قوى السوق على إعادة التوزيع الديموغرافي للسكان في المدينة وفق القدرة الاقتصادية وليس الاحتياج الاجتماعي.

عندما يغيب دور التخطيط العمراني الحقيقي في قيادة استراتيجيات المدن يبتلع السوق المدينة فتتحول الأماكن العامة بما فيها الواجهات البحرية إلى أماكن خاصة أو فضاء استهلاكي مرتبط بقدرة الفرد على الدفع. تهمين المشاريع العقارية ذات المردود الاقتصادي على المدينة حين تبنى المجمعات السكنية المغلقة وملاعب الجولف للطبقة المخملية على حساب مشاريع الإسكان الميسر.

عندما يغيب دور التخطيط العمراني يعمل السوق على تسليع كل شيء كالإسكان، والمياه، والنقل، والصحة، والتعليم، حتى التراث، والثقافة، والعمارة من أجل تسويق المدينة لكي تجذب السائح أو المستثمر عوضا عن المجتمع المحلي. ويبدأ التحول التدريجي نحو مشاريع الإزالة وإعادة البناء لتفقد المدينة جزءا من ذاكرتها الاجتماعية. يتحول مجتمع المدينة إلى مجتمع مستهلك يلهث كل صباح وراء العمل للحصول على المال وصولا إلى فرص حياة أفضل؛ لأن تجربة الحياة نفسها قائمة على القدرة الشرائية. باختصار، أصبحت المدينة هنا مجرد شركة استثمار وليست مكانا للانتماء.