الرأي

المشهد أعمق مما تراه

حين يستهدف الحوثي بلادنا، من جنوب المملكة إلى محاولة استهداف الرياض، يستشري الغضب بين الناس لرد الصاع صاعين. لكن حماية الوطن تقتضي أن نسأل أيضا: ما الرد الذي يحفظ أمننا، ويصون نمو بلادنا، ويمنع تحويل الاعتداء إلى باب لاستنزافها؟

السعودية ليست طارئة على السياسة، ولا تختزل مصالحها في تبادل الضربات. حماية السيادة والمواطن والمقدرات، واستقرار الجوار، واستمرار المشروع التنموي، أهداف يجب أن تحضر معا في حساب القرار. وقد أكدت المملكة عبر وزارة الخارجية عزمها على الدفاع عن أمنها ومواطنيها واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك.

وحين تدخلت في اليمن عام 2015، فعلت ذلك ضمن تحالف استجابة لطلب الرئيس اليمني. وحتى الولايات المتحدة قادت التحالف ضد داعش منذ 2014، وبلغ عدد شركائه 87 دولة ومنظمة بحلول 2024. ورغم العزلة الدولية للتنظيم وعدم وقوف قوى خلفه، اتسعت مواجهته إلى هذا النطاق؛ فالقوى الكبرى تعرف قيمة توزيع الأعباء وتكامل الأدوات.

وفي أفغانستان، تجاوز تعداد القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) 130 ألف عسكري في ذروتها، ثم عادت "طالبان" إلى الحكم عام 2021، بعد نحو عقدين من التدخل الغربي. ومع اختلاف السياقين، تذكرنا التجربة بأن القوة تحتاج إلى مؤسسات محلية تحمي نتائجها، وأن الدعم الخارجي لا يستطيع تعويض ضعف القيادة إلى الأبد.

وهنا يأتي دور القوى اليمنية الوطنية المناهضة للحوثي. فالمساندة السعودية، العسكرية والمادية واللوجستية، ينبغي أن تجد شريكا يوحد قراره ويبني مؤسساته، فيما يخفف الدعم الإنساني معاناة اليمنيين. للسعودية دورها، ولأبناء اليمن مسؤوليتهم عن استعادة دولتهم وحمايتها.

غير أن المشهد لا ينتهي عند الحوثي. فقد تجد قوى كبرى في استمرار التوتر فرصة لتعزيز نفوذها، أو منظمات دولية مساحة لتوسيع أدوارها؛ وقد يستفيد منافس إقليمي من انشغال المملكة، فيما يراهن خصم معاد على إنهاك مشروعها التنموي وإضعاف حضورها. ليست هذه الاحتمالات دليلا على تنسيق مشترك، لكنها تجعل سؤال المستفيد من الاستنزاف ضروريا بقدر سؤال مطلق الصاروخ.

لهذا أرى أن الحزم السعودي ينبغي أن يجمع تقليص قدرة المعتدي على الإيذاء، وتنمية قدراتنا، وتوسيع شراكاتنا، وحماية استقلال قرارنا. فالمعيار هو ما تحققه السياسة لأمن السعودية ونموها، وما تمنعه من أخطار، وما تهيئه من استقرار مستدام.

وثقتنا ببلادنا تستند إلى خبرة اختبرتها أزمات كبرى؛ وكان دورها في التحالف الذي حرر الكويت عام 1991 شاهدا على الجمع بين القرار الوطني والعمل الدولي.

أما الخبر العاجل، فيخبرنا بما حدث في موقع، ولا يحيط وحده بما يلزم لحماية وطن. المشهد أعمق مما تراه، وتلك هي السعودية التي نثق بها: تحمي قرارها، وتبني قوتها، وتقرأ الغد وهي تواجه أخطار اليوم.