معرفة

حين تصبح الشاشة ذاكرة للمجتمع.. «التاريخ الشفهي» يوثّق ما غاب عن الأرشيف

لا تحفظ الأفلام تاريخ الشاشة العربية كاملًا؛ فخلف كل عمل ظروف وبدايات وعلاقات وقرارات وعقبات لا تظهر أمام الكاميرا. من هنا تكتسب سلسلة «التاريخ الشفهي للشاشة العربية» أهميتها، بوصفها مشروعًا يستعيد ذاكرة السينما والدراما من شهادات صناعها، ويحوّل التجربة الشخصية إلى مادة لفهم التحولات الثقافية والاجتماعية التي رافقت نشأة الشاشة وتطورها.

وتأتي السلسلة ضمن مبادرة «سينماء» التي أطلقها الأرشيف الوطني للأفلام، إلى جانب المقالات والأبحاث والدراسات والجلسات وورش العمل والأفلام القصيرة، في محاولة لبناء مساحة معرفية تتجاوز حفظ الأعمال إلى توثيق السياقات التي أنتجتها.

وتبرز الإعلامية سهى الوعل في المشروع بأسلوب حواري يعود إلى جذور التجربة، فلا تكتفي بالسيرة المهنية، بل تستنطق الذاكرة الشخصية وصلتها بالمدينة والمسرح والتعليم والجمهور. ويظهر ذلك في حوارها مع ممدوح سالم، الذي انتقلت معه من طفولته وذكريات جدة وبداياته في المسرح إلى إطلاق مهرجان جدة للعروض المرئية عام 2006، بعد 28 عامًا من غياب السينما عن المملكة.

وتكشف تجربة سالم أن الحراك السينمائي لم يبدأ من الفيلم وحده؛ فقد سبقتها تجارب في المسرح المدرسي والجامعي، ثم تأسيس فرقة «رواد المسرح» التي تطورت إلى «رواد ميديا»، إلى جانب تأثره بالحركة السينمائية في المنطقة، خصوصًا التجربة الإماراتية مطلع الألفية. ووفق «سينماء»، أسهمت تجربة مهرجان جدة لاحقًا في إلهام تجارب شبابية، وصولًا إلى مهرجان أفلام السعودية عام 2008 واتساع حركة صناعة الأفلام في المملكة.

وعلى امتداد ثلاثة مواسم، يجمع المشروع شهادات من أجيال وتجارب خليجية وعربية مختلفة، بينهم راشد الشمراني، ومحمد المنصور، وصالح الفوزان، وعامر الحمود، وهشام الغانم، وبسام الذوادي، وعبدالله السدحان، وعبدالستار ناجي، وعبدالمحسن النمر، ودرة بوشوشة، وخالد الحربي، وأحمد الملا، وجاسم النبهان، وممدوح سالم، وأسمهان توفيق، وحسن عسيري، وأحمد المقلة، وإبراهيم الحساوي.

وتكمن أهمية هذا التنوع في اختلاف مواقع أصحاب الشهادات بين التمثيل والإخراج والإنتاج والكتابة والنقد والتوزيع؛ فهشام الغانم يستعيد ذاكرة التوزيع ودور العرض والسوق، بينما يوثق عبدالستار ناجي تجربة النقد والصحافة والمهرجانات، ويستعيد صالح الفوزان جوانب من ذاكرة الرياض وتجارب الإنتاج بين السعودية ومصر والعالم العربي.

وبذلك يصبح التاريخ الشفهي أكثر من أرشيف فني؛ إنه قراءة في المجتمع الذي صنع الشاشة وتغير معها. فذكريات الحارة والمسرح والصحافة ودور العرض والمهرجانات تكشف كيف تشكلت الذائقة، وكيف انتقلت الممارسة الفنية من التجربة الفردية والهواية إلى المشاريع والمؤسسات، وكيف تفاعلت الأجيال مع تحولات الصورة.

وإذا كانت الأفلام تحفظ ما ظهر أمام الكاميرا، فإن الشهادات تحفظ ما حدث خلفها: لماذا بدأت التجارب، وما الذي أعاقها، وكيف صنعت الصدفة والعلاقات والطموحات مساراتها. ولهذا يضيف «التاريخ الشفهي للشاشة العربية» إلى أرشيف الصورة أرشيفًا بشريًا، يحفظ ذاكرة الفن بوصفها جزءًا من ذاكرة المجتمع نفسه.