الرأي

وطن الحضارة

كم من أمة تباهت على مدى التاريخ بأنها موطن "الحضارة"... فماذا يعني ذلك؟

هل يعني مجرد امتلاكها قوة هائلة لا يمكن لأحد أن يقف أمامها؟ لو كان الأمر كذلك لكانت القبائل الجرمانية التي اكتسحت الإمبراطورية الرومانية، وجحافل المغول الذين حكموا إمبراطورية تمتد من شبه جزيرة كوريا شرقا إلى حدود أوروبا غربا، هما من أعظم الأمم حضارة على مدى التاريخ.

أو لعلنا ننظر إلى الحضارة في سياق التاريخ المعاصر ونتساءل: هل الأمة المتحضرة في عصرنا الحديث هي التي امتلكت القوة العسكرية الساحقة والبنية التحتية العظيمة، والتقدم العلمي الهائل الذي يسبق غيرها من الأمم؟

لو أن الأمر كذلك لكانت ألمانيا النازية التي امتلكت كل ما سبق وتفوقت في زمنها على العالم كله بمراحل هي أكثر الأمم تحضرا في العصر الحديث.

بل لعلنا نتساءل: هل كان الاتحاد السوفيتي الذي امتلك القوة العسكرية التي هزمت ألمانيا النازية في قمة مجدها، وأرعب المعسكر الغربي على مدى عقود، وكان عنده الشيء الكثير من التقدم العلمي والبنية التحتية العظيمة، (في وقت ما كان إمبراطورية تنشر الإلحاد ويفتقد مواطنوها إلى أبسط الحقوق الطبيعية)... هل كان ذلك الاتحاد السوفيتي متحضرا؟ لا أعتقد.

فرجعت إلى الحضارة الإسلامية، ووجدت تعريف العلامة المسلم ابن خلدون للحضارة بأنها "أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه، وتفنن في الترف وأحكام الصنائع". وهو تعريف سبق زمنه، لكن لا بد له من تحديث، فرجعت إلى تعريف حديث تبنته موسوعة تاريخ العالم World History Encyclopedia، بأن الحضارة هي: نظام الكتابة، والحكومة، وفائض الغذاء، وتقسيم العمل، وإنشاء المدن.

وهو تعريف من بين عدة تعاريف حديثة... تدور حول محاور أغلبها متشابهة.

فسألت نفسي مرة أخرى: هذه التعريفات تتكلم عن "منتجات" الحضارة من تقدم علمي وبنية تحتية وأسلحة وغيرها من منتجات.. لكن، هل المنتجات هي الحضارة الحقيقية؟

أم أن "جوهر" الحضارة أبعد من أن يكون منتجات، مادية كانت أو غير مادية؟

والإجابة التي توصلت إليها بعد تفكر: أنه لا بد من التفرقة ما بين جوهر الحضارة ومنتجاتها، وأن جوهر الحضارة هو الإنسان ذاته.. وأن المجتمع الذي يتمتع بصفات الرقي الإنساني هو المجتمع المتحضر.. أما المجتمع الذي يفتقد إلى هذه الصفات فهو غير متحضر، مهما كان قويا أو غنيا أو متقدما من الناحية العلمية.

فما هي صفات "الرقي الإنساني"؟

الرقي الإنساني لا بد أن يبدأ بالأخلاق الشخصية: من أدب التعامل والتواضع والعطاء واحترام الأسرة والعلاقة الزوجية، إلخ. كما أنه لا بد للإنسان الراقي من ضمير حي: يتجلى في الصدق والأمانة والرحمة، إلخ.

وكذلك يتجلى الرقي الإنساني على المستوى الاجتماعي في التعاون والتكافل، إلخ.

والرقي الإنساني لا بد له أيضا من السلوك المتزن واحترام العلم والسعي نحو المعرفة والانفتاح على العالم، وغيرها من صفات فكرية وسلوكية.

ولو نظرنا إلى ما سبق من صفات لوجدنا أنها جميعا صفات يتحلى بها المجتمع السعودي: أفرادا وجماعات، هي صفات الرقي الإنساني التي تميزنا: قيادة وشعبا، وهي صفات تميز هذا الوطن: منبع الإسلام الذي أنار العالم بحضارة غير مسبوقة.

وليس بمستغرب أن شعار اليوم الوطني السعودي هو «عزنا بطبعنا». حفظ الله هذا الوطن وأدام عزه.