المملكة في يومها الوطني.. فخر الانتماء ومسيرة البناء
الأربعاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦تحتفي المملكة العربية السعودية قيادة وشعبا، اليوم 23 سبتمبر 2026، بيومها الوطني تحت شعار «عزنا بطبعنا».
ويجسد هذا اليوم حدثا تاريخيا بارزا، لارتباطه بصدور الأمر الملكي عن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود بإعلان توحيد أرجاء البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، واختيار يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351 الموافق 23 سبتمبر 1932م يوما للاحتفاء به.
وتواصل المملكة في يومها الوطني كتابة فصول جديدة من مسيرة المجد والبناء، ماضية بخطى واثقة على درب التنمية المستدامة، مستندة إلى إرث الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مدفوعة برؤية وطنية طموحة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، والأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
وعبر مسيرتها الممتدة لعقود رسخت المملكة حضورها الدولي في مختلف المجالات، لتصبح نموذجا رائدا في النهضة الاقتصادية، والاجتماعية، والابتكارات التنموية، مستندة إلى ثوابت الهوية السعودية التي أرساها الملك عبدالعزيز حين وحد دولة راسخة الجذور، دستورها كتاب الله وسنة نبيه، ورايتها التوحيد.
ويأتي اليوم الوطني ليرسخ معاني الفخر والانتماء، إذ يعيش المواطن والمقيم والزائر على أرض المملكة نهضة شاملة تتجلى في جودة الحياة، ومشاريع البنية التحتية، وتعزيز المكانة الدولية للمملكة، التي لا تعرف حدودا لطموحها نحو مستقبل يليق بمكانتها وريادتها.
ونستحضر في هذا اليوم، سيرة القائد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، الذي أفنى عمره في مواجهة تحديات الحياة في الجزيرة العربية التي كانت ترزح قبل أكثر من 8 عقود تحت وطأة التناحر والخوف والهلع وشظف العيش، لتتوحد بفضل الله تعالى ثم بجهوده دولة فتية تتمتع بالأمن والاطمئنان والخيرات الوفيرة، ويقف لها العالم احتراما وتقديرا.
وارتسمت على أرض المملكة ملحمة جهادية، تمكن فيها الملك عبدالعزيز من جمع قلوب أبناء وطنه وعقولهم على هدف واعد نبيل، وبتوفيق الله وما حباه الله من حكمة تمكن الملك عبدالعزيز من إرساء قواعد وأسس راسخة لوطن الشموخ قادته لنشر العدل والأمن ممضيا من أجل ذلك سنين عمره.
وكانت استعادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة الرياض في الخامس من شوال 1319هـ/ 15 يناير 1902م نقطة الانطلاق لمسيرة تاريخية جديدة في المملكة العربية السعودية، إذ مثل هذا الحدث بداية مرحلة التوحيد التي قادت إلى نشوء الدولة السعودية الحديثة، وقد دانت جميع المناطق والمدن لقيادته حيث أطلق على الدولة بعد عام 1345هـ/ 1926م اسم «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها»، وكان لقبه الرسمي آنذاك «ملك الحجاز ونجد وملحقاتها».
ومن أبرز ملامح هذه المسيرة الولاء الكبير الذي أبداه سكان المدن والقرى والبوادي للملك عبدالعزيز، إذ بايعوه على السمع والطاعة، وشاركوه أهدافه في الوحدة والاستقرار.
وتجسد هذا الولاء في المطالبات الشعبية المتكررة بتوحيد اسم الدولة، وبعد أن توحدت القلوب ورأى الملك عبدالعزيز أن التجربة بلغت مرحلة عالية من النضج، وبعد عدد من الأحداث التي أكدت ولاء الناس ومحبتهم للوحدة التي أنجزها الملك عبدالعزيز وجه بتشكيل لجنة من الأعيان مهمتها النظر في فكرة تغيير اسم المملكة وتوحيد أراضيها، فاقترحت اللجنة على الملك عبدالعزيز تغيير الاسم إلى المملكة العربية السعودية، فطلب أن يستشار أهالي المملكة، فأرسلت برقيات إلى كل مناطق المملكة، فعادت برقيات عديدة إلى الملك عبدالعزيز تطالب بأن يطلق على البلاد اسم «المملكة العربية السعودية» بدلا من «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها».
ووفق ما ورد في مجلد «سيرة وشخصية الملك عبدالعزيز ومراحل بناء الدولة السعودية الثالثة» - طباعة دارة الملك عبدالعزيز -، ولد الملك المؤسس في مدينة الرياض عام 1293هـ وترعرع فيها، ونهل من علمائها، حيث تعد الرياض امتدادا تاريخيا لمسيرة الآباء والأجداد.
وحرصا على تنشئته وتعليمه، عهد به والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود - رحمه الله - إلى القاضي عبدالله الخرجي لتعليمه القرآن الكريم والقراءة والكتابة وهو في سن السابعة من عمره، وفي سن العاشرة تلقى تحصيله في الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، وبالتوازي مع ذلك كان الملك عبدالعزيز يتعلم ركوب الخيل، ومهارات الفروسية.
وتأثرت شخصية الملك عبدالعزيز كثيرا بشخصية والده الإمام عبدالرحمن الفيصل - رحمهما الله - حيث كان أبا ومعلما وأخا وصديقا لابنه، فضلا عن شخصية والدته الأميرة سارة السديري التي كانت من أكمل النساء عقلا وتدبيرا، وكان محبا لإخوته (خالد، وفيصل، وفهد، ومحمد، ونورة)، لكن علاقته بالأميرة نورة - رحمها الله - كانت أكثر حميمية، واحتلت مكانة كبيرة في نفسه - رحمه الله -، حتى إنه ينتخي بها بالقول: أنا أخو نورة أنا أخو الأنوار، ويحرص على زيارتها يوميا في منزلها.
وللملك عبدالعزيز شخصية قوية آسرة ومهابة تأثر بها كل من قابله، وصورة باسمة مشرقة بأسارير متهللة بما عرف عنه - رحمه الله - من لين الجانب والتواضع والمرح، وعدم تكلفه في الحديث مع أبناء شعبه ورعيته، فضلا عن كرمه وسخائه مع الجميع، فلم يكن ملكا فقط، بل كان رب أسرة ومحبا للجميع، ورجلا قدوة في أفعاله وسلوكياته.
وعرف عن الملك عبدالعزيز احترامه الكبير للعلماء طيلة فترة حياته - رحمه الله -، فكان يقدمهم على إخوته في مجلسه، ويستمع إليهم، ومبعث ذلك إيمانه التام بقيمة العلم والعلماء وأثرهم في الحياة، وأن احترامهم وحسن العلاقة بهم والاستئناس بآرائهم واجب تمليه العقيدة الإسلامية التي ظل مطبقا لمنهجها - رحمه الله - في حياته الخاصة والحياة العامة في البلاد، ومضى على ذلك النهج من بعده أنجاله الملوك البررة.
ومر الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بأحداث ومحطات متعددة في حياته كانت مؤثرة في بناء شخصيته الفذة - رحمه الله - خاصة منذ أن بلغ سن الخامسة عشرة، إذ أسهمت هذه الأحداث في صقل شخصيته، وعلمته الصبر والقوة والإقدام.
وعد المؤرخون خروج الملك عبدالعزيز، مع والده الإمام عبدالرحمن - رحمهما الله- وبعض أفراد أسرته من الرياض عام 1308هـ الحدث الأصعب في حياته، وكانت محطتهم الأولى بعد الرياض واحة «يبرين» في الأحساء ثم البحرين إلى أن وصلوا فيما بعد إلى الكويت، واستقروا بها عدة سنوات، ظل فيها الملك عبدالعزيز معلق القلب بالرياض.
واتخذ الملك المؤسس «يبرين» - مقرا له لتنفيذ خطته في إعادة الرياض - وهي واحة من واحات الأحساء بمحاذاة رمال الربع الخالي من الشمال.
وعندما بلغ الملك عبدالعزيز العشرينيات من عمره وهو في الكويت توجه في الخامس من رمضان عام 1319هـ إلى الرياض في رحلة بطولية قاد مسيرتها بصحبة رجاله ليتمكنوا بفضل الله تعالى من اختراق جوف الصحراء التي تلتهب رمالها تحت أشعة الشمس الحارة، صائمين لربهم، قبل أن يأتي عليهم يوم العيد وهم في موقع يطلق عليه «أبو جفان».
وفي اليوم الرابع من شوال من عام 1319هـ وصل الملك عبدالعزيز ورجاله إلى «ضلع الشقيب» الذي يبعد عن مدينة الرياض نحو ساعة ونصف مشيا على الأقدام، ومن الضلع تقدموا إلى الرياض التي دخلها الملك عبدالعزيز بذكاء القائد المحنك، وأعاد الأمور إلى نصابها الصحيح بعد عملية بطولية حامية الوطيس لم تدم طويلا، طوى خلالها الملك عبدالعزيز زمن العهد الغابر في الرياض، معلنا بداية العهد الزاهر في نجد بعد أن بايعه أهالي الرياض وأعيانها عام 1320هـ أميرا على نجد وإماما لأهلها، وذلك عقب صلاة الجمعة في ساحة المسجد الكبير بالرياض، فدب الاستقرار السياسي في مدينة الرياض بعد سنين من الاضطراب، وكانت وحدة الحكم من أهم العوامل التي مهدت دخول الرياض مرحلة جديدة من النمو والازدهار الحضاري.
وتمكن الملك عبدالعزيز آل سعود بفضل الله تعالى عبر رحلة طويلة أضناه فيها طول المشي والتفكير من لملمة شتات البلاد، وإعادة الأمن، والتصدي للفوضى التي كانت سائدة في الجزيرة العربية آنذاك، وأصبح بمحبة الناس ملكا لدولة سهر على بنائها، وأوجد نظامها حتى أصبحت لها مواقف مشرفة مع الأمتين العربية والإسلامية والعالم أجمع.
ووجه الملك عبدالعزيز عند بداية تنظيم الدولة بالاهتمام بالحرمين الشريفين وتوسعتهما، وخدمة الحجاج والمعتمرين، فضلا عن البدء في فتح المدارس، وإنشاء المستشفيات، وبناء القرى، وإصلاح التربة، وتوطين البادية، والتنقيب عن مياه الري من أجل دعم الزراعة، بيد أن هذه الجهود كانت تتطلب توفير المال لتنفيذها.
وتماشيا مع الرغبة في النهوض بالبلاد، بدأت في خريف عام 1933م عمليات التنقيب عن النفط في بعض أراضي المملكة، لكن مضت 4 أعوام عجاف لم تثمر أعمالها عن الوصول إلى نتيجة إيجابية مرضية لاكتشاف مكامن النفط، إلى أن قرر الخبراء التنقيب حول بئر ماء في منطقة تسمى «عين جت» كان الملك عبدالعزيز قد توقف عندها عام 1319هـ في طريقه من الكويت إلى الرياض، فكانت المفاجأة وجود النفط على عمق 5 آلاف قدم تحت الأرض.
وانتعشت الأرض الصحراوية بخروج الذهب الأسود الذي حول الصحراء القاحلة المؤنسة بهبوب الرياح إلى مدينة مزدحمة بالعمال والمهندسين وخبراء النفط.
وفي عام 1939م ضخ النفط أول بشائره في احتفال شهده الملك عبدالعزيز، ليستهل بعدها مشروعات الدولة التي خطط لها رحمه الله.
وكان اهتمام الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بالشأن الخارجي اهتمامه نفسه بالشأن الداخلي، إذ كان يتعامل مع جميع دول العالم بدبلوماسية عالية المستوى، آخذا بعين الاعتبار استقلال المملكة بقرارها واختيار طبيعة علاقاتها مع الدول دون الإخلال بمكانتها الدينية والحضارية والثقافية وهو ما جعله محبوبا من مختلف قادة دول العالم، وأصبح حديث الإعلام العربي والإقليمي والدولي في ذلك الوقت.
وفي محرم من عام 1373هـ ترجل الفارس الملك عبدالعزيز عن صهوة جواده بعد أن اشتد عليه المرض أثناء إقامته في الطائف، وفي فجر الثاني من ربيع الأول من عام 1373هـ الموافق 9 نوفمبر 1953م فاضت روحه - رحمه الله - إلى بارئها.
توفي - رحمه الله - بعد أن سار في رحلة طويلة عاش فيها أعظم الأحداث، وواجه أكبر التحديات، لكنه ترك للأجيال من بعده إرثا عظيما يهنأ فيه الجميع بين أحضان دولة أسست على التوحيد لتظل - ولله الحمد - في نماء مستمر، وأمن وخير وسلام حتى وقتنا الحاضر.
ووري جثمان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - في مقبرة العود وسط مدينة الرياض.
وقد اهتم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - بجمع المؤلفات العلمية خلال حياته على الرغم من انشغاله بمرحلة بناء الدولة في ذلك الوقت، فكان شغوفا بالاطلاع على الكتب العربية المعنية بمختلف العلوم خاصة العلوم الشرعية وطباعة معظمها على نفقته، وتوزيعها مجانا للاستفادة منها.
وتناولت كتب ودوريات مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة في مقرها بدارة الملك عبدالعزيز بالرياض معارف نادرة ومتميزة في مجالات العلوم الشرعية، والتراجم، والجغرافيا، والتاريخ الإسلامي والعام، واللغة العربية وآدابها، مرتبة وفق فهرسة رقمية تسهل على الباحثين والدارسين عناء البحث في المجالات العلمية والفكرية والإسلامية.
وعدت المكتبة مصدرا مهما من مصادر التاريخ الحديث في المملكة، خاصة ما يتعلق بعلاقة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بالعلم والمعرفة، كما تحمل كتبها في طياتها وأغلفتها عبارات وشواهد تاريخية سطرها العديد من المؤرخين والمؤلفين المعروفين في العالمين العربي والإسلامي في ذلك الزمان.
وحرص الملك عبدالعزيز - رحمه الله - أثناء حياته على نشر الكتب وطباعتها وتوزيعها على الناس عامة وطلبة العلم خاصة في داخل المملكة وخارجها، كما ساعد بعض المؤلفين على الاستمرار في نشاطه العلمي من خلال شراء نسخ عديدة من الكتب المطبوعة وتوزيعها على نفقته الخاصة.
وتخصصت الكتب التي أمر بطباعتها - رحمه الله - إبان فترة حياته في مصنفات العقيدة والتفسير والفقه لأعلام السلف مثل: الشيخ أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ ابن قدامة المقدسي، ومن بينها كتابا المغني والشرح الكبير، كما شملت الكتب التي طبعت تخصصات اللغة العربية وآدابها، والتاريخ الإسلامي، والجغرافيا.
وقد طبعت تلك المؤلفات المنشورة في مطابع عدة منها: المطبعة المصطفوية في «بومباي» بالهند، ومطبعة القرآن والسنة في «أمرتسد» بالهند، ومطبعتا المنار والنهضة في مصر، ومطبعتا الاعتدال والترقي في دمشق، والمطبعة السلفية في مكة المكرمة والقاهرة، ومطبعة أم القرى بمكة المكرمة.
ويمضي بنا هذا التاريخ المشرف لنعيش معاني قوة الرجل الباني المؤسس الملك عبدالعزيز ورجاله الذين - برغم قلة عددهم وعتادهم - انطلقوا من الرياض بذلك الإيمان الصادق في جهاد، حتى جمع الله به الصفوف، وأرسى دعائم الحق والعدل والأمن والأمان لتتوحد القلوب على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكذلك أرجاء البلاد، إذ أينعت حينها تلك الجهود أمنا وأمانا واستقرارا وتحول المجتمع من قبائل متناحرة إلى شعب متحد ومستقر يسير على هدي الكتاب والسنة.
وانطلاقا من النهج الإسلامي القويم دعا - رحمه الله - إلى التعاون العربي والتضامن الإسلامي، وأسهم إسهاما متميزا في تأسيس جامعة الدول العربية، وفي الأمم المتحدة عضوا مؤسسا، كما سجل له التاريخ مواقف مشهودة في كثير من الأحداث العالمية والقضايا الإقليمية والدولية.
ولقد انتهج الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - في تعامله مع مواطنيه سياسة قائمة على الشورى وعلى التناصح مع الرعية، واغتنام الفرص لتبادل الرأي والنصح، مسترشدا بما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف.
وكان لهذا النهج القويم الذي سار عليه الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وتبعه في ذلك أبناؤه من بعده الأثر الكبير فيما تعيشه المملكة من تطور كبير قائم على تعاضد الدولة والمواطنين.
وقد أدرك الملك عبدالعزيز بثاقب بصره، أن التلاحم والتواصل بين القيادة والشعب وسياسة الباب المفتوح هما من أفضل السبل وأنجعها لخدمة الوطن والمواطنين ولتقدم البلاد ورقيها، ففي الحفل الذي أقامه الملك عبدالعزيز في جدة في الخامس والعشرين من محرم عام 1355هـ بمناسبة انتهاء موسم الحج وقرب سفره إلى الرياض، قال - رحمه الله -: المقصد من اجتماعنا الليلة أن نتناصح ونتعاضد ويطلع كل منا على ما عند الآخر من جهة، ومن جهة أخرى لنودعكم؛ لأننا على جناح سفر، وسنغادر هذا البلد قريبا، وإنه ليعز علينا مغادرته، ولكن المصلحة تقضي بهذه التنقلات، ثم هناك مسألة أحب أن أشرحها لكم؛ لأن في نفسي منها شيئا، أنا لا أحب أن أشق على الناس، ولكن الواجب يقضي بأن أصارحكم بأننا في أشد الحاجة إلى الاجتماع والاتصال بكم لتكونوا على علم تام بما عندنا، ونكون على علم تام بما عندكم، وأود أن يكون هذا الاتصال مباشرة وفي مجلسي لتحملوا إلينا مطالب شعبنا ورغباته، وتحملوا إلى الشعب أعمالنا ونوايانا، إنني أود أن يكون اتصالي بالشعب وثيقا دائما؛ لأن هذا أدعى لتنفيذ رغبات الشعب، لذلك سيكون مجلسي مفتوحا لحضور من يريد الحضور.
واستمرارا على نهجه الكريم في توجيه النصح للرعية وشرح مالها وما عليها قال - رحمه الله - في الخطاب الذي ألقاه في الحفل التكريمي الذي أقيم على شرفه بمناسبة سفره إلى الرياض في الثاني من صفر 1355هـ: إن على الشعب واجبات، وعلى ولاة الأمر واجبات، أما واجبات الشعب فهي الاستقامة ومراعاة ما يرضي الله ورسوله، ويصلح حالهم والتآلف والتآزر مع حكومتهم للعمل فيما فيه رقي بلادهم وأمتهم، إن خدمة الشعب واجبة علينا لهذا فنحن نخدمه بعيوننا وقلوبنا، ونرى أن من لا يخدم شعبه ويخلص له فهو ناقص.
ومن المنطلق نفسه الذي أدار به الملك عبدالعزيز شؤون بلاده ومواطنيه بنى - رحمه الله - علاقات بلاده مع أشقائها العرب والمسلمين، وأقام علاقات قوية مع المجتمع الدولي.
وكان صريحا في تعامله مع القضايا التي تهم أمته على الصعد كافة، وقد أثبتت الأحداث المتعاقبة حتى يومنا هذا رؤيته الصائبة ونهجه الصحيح في أقواله وأفعاله، فكانت تلك الرؤية، وذلك النهج القاعدة والأساس القويم الذي تسير عليها المملكة في جميع تعاملها داخليا وخارجيا.
وفي الخطاب الذي ألقاه - رحمه الله - في المأدبة الكبرى التي أقامها لكبار حجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة في 9 ذي الحجة عام 1364هـ الموافق 15 نوفمبر 1945م، خصص الجانب الأكبر من خطابه للحديث عن قضية فلسطين حيث قال - رحمه الله -: إن مسألة فلسطين هي أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب في هذه الأيام، وهي المسألة التي يجب أن تكون موضع عناية الجميع ومدار اهتمامهم، ومع أنني لا أحب كثرة الكلام وأفضل العمل الصامت المثمر، فإنني أقول بصراحة: إن السكوت عن قضية فلسطين لا يوافق المصلحة، وقد سبق لي أن تكلمت مع أركان الحكومة البريطانية كما تحدثت مطولا مع الرئيس روزفلت وذكرت بكل صراحة الحيْف الذي أصاب إخواننا عرب فلسطين والإعنات والقهر اللذين خضعوا لهما، وطلبت من الرئيس الراحل إنصاف عرب فلسطين إن لم يكن بالمساعدات الفعلية، فعلى الأقل الوقوف على الحياد وعدم مساعدة اليهود عليهم.
وأرسى والدنا الملك عبدالعزيز - رحمه الله - منهجا قويما سار عليه أبناؤه من بعده لتكتمل أطر الأمن والسلام وفق المنهج والهدف نفسه.
وكان الملك سعود - رحمه الله - أول السائرين على ذلك المنهج والعاملين في إطاره، حتى برزت ملامح التقدم واكتملت هياكل عدد من المؤسسات والأجهزة الأساسية في الدولة، حيث حرص - رحمه الله - على رعاية شؤون المواطنين، وقد قام بعد توليه الحكم بجولات تفقدية شملت مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى زيارات خارجية عزز خلالها علاقات المملكة مع الدول الشقيقة والصديقة.
وفي عهده بدأ العمل الرسمي لمجلس الوزراء، إذ شكل أول مجلس وزراء في تاريخ المملكة، وأنشئت وزارات مهمة مثل المعارف، والزراعة، والتجارة.
وجاء من بعده الملك فيصل - رحمه الله - فتتابعت المنجزات الخيرة، وتوالت العطاءات وبدأت المملكة في عهده تنفيذ الخطط الخمسية الطموحة للتنمية.
واتصف الملك فيصل بالحزم في اتخاذ القرارات، وقد تجسدت هذه الصفات في مبادرته بتبني التضامن الإسلامي، التي هدفت إلى تعزيز التعاون بين دول العالم الإسلامي، فدعا إلى عقد مؤتمر قمة إسلامي أفضى إلى تأسيس منظمة التعاون الإسلامـي في جدة، لتكون منصة لترسيخ مفهوم التضامن ووحدة الصف الإسلامي.
كما أدى الملك فيصل دورا بارزا في دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسـطينية وحـق الفلسطينيين في إقامة دولتهـم المستقلة. وساند مصر وسوريا والأردن في مواجهة العدوان الإسرائيلي عام 1393هــ/1973م، الذي حقق فيه العرب نصرا مهما.
وتدفقت ينابيع الخير عطاء وافرا بتسلم الملك خالد - رحمه الله - الأمانة فتواصل البناء والنماء، خدمة للوطن والمواطن خاصة، والإسلام والمسلمين عامة، واتصلت خطط التنمية ببعضها؛ لتحقق المزيد من الرخاء والاستقرار.
وشهدت المملكة في عهد الملك خالد نهضة اقتصادية وتنموية كبيرة، مدفوعة بالإيرادات الضخمـة مـن قطاع النفـط. فقـد أولى اهتماما بالبنيـة التحتيـة، فامتدت الطـرق وعبدت، كما عني بالزراعـة، وشـجع القطـاع الصناعـي إلى جانـب تعزيـز الخدمـات الصحيـة، والتعليـم.
واسـتكمل الملـك خالـد مشروعـات الحـرمين الشريـفين، خاصـة أعمـال التوسـعة السـعودية الأولى للمسـجد الحـرام.
وازداد البناء الكبير عزا ورفعة وساد عهد جديد من الخير والعطاء والنماء والإنجاز بعد مبايعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - ملكا على البلاد، إذ تميزت الإنجازات في عهده بالشمولية والتكامل لتشكل عملية تنمية شاملة في بناء وطن وقيادة حكيمة فذة.
وشـهدت المملكة في عهـده مزيدا من التطـور التشريعـي والإداري، إذ صدرت عـام 1412هــ/1992م ثلاثة أوامـر ملكيـة تتعلـق بالنظام الأسـاسي للحكـم ونظـام مجلـس الشـورى ونظـام المناطـق، وأشرف علــى أضخــم توســعتين للمســجد الحــرام والمســجد النبــوي المعروفـة بالتوسـعة السـعودية الثانيـة، وأنشـأ مجمـع الملـك فهـد لطباعـة المصحـف الشريـف عـام 1405هــ/1984م، إضافة إلى دعم القضايا العربية والإسلامية.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - شهدت المملكة المزيد من المنجزات التنموية العملاقة على امتداد الوطن في مختلف القطاعات التعليمية، والصحية، والنقل والمواصلات، والصناعة، والكهرباء، والمياه، والزراعة، والاقتصاد.
وعمل الملك عبـدالله بـن عبدالعزيـز علـى تطويـر الدولـة مـن خلال إطلاق عـدد مـن الأنظمـة والبرامـج المهمـة، فقـد أقـر نظـام هيئة البيعة لاختيار ولي العهـد، وأصدر أمـرا بمشاركة المرأة الســعودية في مجلس الشورى، كمـا تأسست في عهده هيئة حقوق الإنسان، كمـا واصـل - رحمه الله - تطويـر الحـرمين الشريـفين، فبـدأ في عـام 1428هــ/2007م التوسـعة السـعودية الثالثـة للمسـجد الحـرام.
وفي العهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - شرع أيده الله منـذ تـوليه مقاليـد الحكـم، في تطويـر المنظومـة الإداريـة للمملكـة، وزيـادة كفاءتهـا التشغيلية، وواصل نهـج الإصلاح ومحاربـة الفساد الذي بـدأه منـذ توليه إمـارة الرياض، وشملت إصلاحاتــه الجوانب الاجتماعيــة، إذ نالت المرأة السعودية مكتسبات عدة لتعزيـز تمكينهـا.
وها نحن اليوم نشهد في عهد الاستدامة والنمو والتطور، قفزات كبيرة وخطوات غير مسبوقة في جميع المجالات داخليا وخارجيا، ورسمت ملامح المملكة، وأرست دعائم مكانتها السياسية والاقتصادية والثقافية، ورسخت دورها المؤثر في الاقتصاد العالمي، كونها قائمة على قاعدة اقتصادية صناعية صلبة، جعلتها ضمن أقوى 20 اقتصادا على مستوى العالم.
وفي هذا العهد الزاهر ومنذ إطلاق رؤية المملكة 2030، التي وضعها بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظهما الله -، لا يمر يوم إلا وتحقق المملكة منجزات جديدة داخليا وخارجيا، تبشر بمستقبل مزدهر.
وواصـل الملـك سـلمان اهتمامـه بالحرمين الشريفين، إذ تابـع التوسعة الثالثة للمسجد الحرام، وأصدر أمـرا بإنشـاء الهيئـة الملكيـة لمدينـة مكـة المكرمـة والمشـاعر المقدسـة، وأطلـق برنامـج خدمـة ضيـوف الرحمـن ضمـن رؤيـة 2030.
وتواصل المملكة مسيرة إنجازاتها بخطى ثابتة نحو بلوغ مستهدفات الرؤية المباركة، ويستعرض هذا التقرير جانبا من منجزات الوطن التي تحققت منذ اليوم الوطني الخامس والتسعين حتى اليوم:
فنيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، لبى الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، دعوة الرئيس إيمانويل ماكرون لزيارة الجمهورية الفرنسية، ورئاسة الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي بين حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة الجمهورية الفرنسية، وتبادل عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.
وفي أغسطس 2026، وتلبية لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، قام كل من رئيس الجمهورية التركية السيد رجب طيب إردوغان، ورئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية السيد محمد شهباز شريف بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، وتوقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
وفي يوليو من العام نفسه، وقع ولي العهد بعد جلسة مباحثات رسمية مع رئيس وزراء كندا عدد من مذكرات التفاهم الثنائية في مجالات الطاقة، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات.
وفي مايو، ونيابة عن خادم الحرمين الشريفين، توج ولي العهد فريق الهلال بكأس الملك للموسم الرياضي 2025 - 2026. كما استقبل وفد تكريم خادم الحرمين الشريفين نظير دعمه ورعايته لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم في المملكة.
وفي أبريل، استقبل ولي العهد السيد كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني، وبحثا أوجه الشراكة الاستراتيجية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات.
وفي مارس 2026، عقد في محافظة جدة لقاء ثلاثي جمع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والملك عبدالله الثاني ابن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية، والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، بحثوا فيه مستجدات الأوضاع الإقليمية، وتداعيات التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، ومخاطره على حرية الملاحة الدولية وأمن إمدادات الطاقة، وانعكاسه على الاقتصاد العالمي، وتنسيق الجهود المشتركة بما يعزز أمن المنطقة واستقرارها.
وشهد فبراير، استقبال الأمير محمد بن سلمان للأمير ويليام أمير ويلز، ولي عهد بريطانيا، واصطحابه في جولة بحي الطريف التاريخي في الدرعية. واستعراض الطراز المعماري النجدي في حي الطريف التاريخي، حيث اطلع أمير ويلز على قصور أئمة وأمراء الدولة السعودية الأولى، كما تم التقاط صورة تذكارية من أمام قصر سلوى، أحد القصور التاريخية الذي كان مركزا للحكم في عهد الدولة السعودية الأولى.
وتضمنت الزيارة عرضا للمخطط الرئيس لمشروع الدرعية.
كذلك استقبال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مستشار الاتحادي لجمهورية ألمانيا الاتحادية، ورئيس جمهورية مصر العربية، وعقد جلستا مباحثات رسمية.
وفي يناير 2026 استقبل ولي العهد البروفيسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.
وفي ديسمبر 2025، راس ولي العهد وفد المملكة في الدورة الـ46 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وفي نوفمبر 2025، وقع ولي العهد ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين البلدين، والتي تؤكد أن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية شريكان أمنيان قادران على العمل المشترك لمواجهة التحديات والتهديدات الإقليمية والدولية، بما يعمق التنسيق الدفاعي طويل الأجل، ويعزز قدرات الردع ورفع مستوى الجاهزية، إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية وتكاملها بين الطرفين. كما تضع الاتفاقية إطارا متينا لشراكة دفاعية مستمرة ومستدامة، تسهم في تعزيز أمن واستقرار البلدين.
كما شارك ولي العهد والرئيس الأمريكي في أعمال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي في مركز جون كينيدي بواشنطن.
وفي نوفمبر 2025، أقيمت تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء فعاليات النسخة الأولى من منتدى TOURISE، تحت شعار «الخطوة الضخمة المستقبلية»، في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات، بمشاركة نخبة من القادة وصناع القرار والمبتكرين وأصحاب الرؤى العالميين في قطاع السياحة.