قصة وطن
الأربعاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦شعارنا في يومنا الوطني السادس والتسعين «عزنا بطبعنا» هو شعار يتجاوز جمال العبارة إلى عمق الدلالة، فالعز ليس مظهرا عابرا ولا حالة احتفالية مؤقتة، إنه شعور متجذر في الشخصية الوطنية السعودية يتصل بالقيم التي شكلت المجتمع السعودي للإنسان والمكان عبر تاريخه بعقيدته السمحة وإرثه العربي العريق وثقافته الوطنية وكفاءته في مواجهة التحديات وهمته في مواصلة الطريق وتعاملاته الإنسانية وأصالته في الحفاظ على الجذور ورؤيته العميقة في استشراف المستقبل.
وفي اليوم الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام تستعيد بلادنا الحبيبة واحدة من أكثر صفحات تاريخها رسوخا في الوجدان بتوحيد المملكة العربية السعودية عام 1351هـ/ 1932م، على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله - لتمتد من تلك اللحظة رحلة دولة لم تكن غايتها أن توحد الأرض فحسب بل أن تبني على وحدتها وطنا قادرا على صناعة التاريخ واستشراف المستقبل، التوحيد الذي لم ينته عند جمع الجغرافيا وإنما بدأ بتحول الأرض إلى دولة مؤسسات وتنمية وحياة كريمة يشعر فيها الإنسان أن انتماءه إلى وطنه ليس مجرد رابطة مكان وإنما مسؤولية وحقوق وواجبات ومستقبل مشترك.
الوطن بالنسبة لنا كسعوديين أكبر من خارطة جغرافية وأعمق من حدود، هو قصة وطن والذاكرة التي تسكن في الوجدان واللغة التي نتحدث بها، والقيم التي نتوارثها والأرض التي تشهد خطواتنا والأمن الذي يمنح أحلامنا فرصة أن تكبر. ويومنا الوطني السادس والتسعون ليس مجرد رقم في عمر دولة، إنها عقود من التحولات والإنجازات والتحديات والتجارب التي صاغت ملامح المملكة الحديثة ورسخت حضورها الإقليمي والدولي، وقصة المملكة خلال العقود التسعة الماضية يمكن قراءتها باعتبارها رحلة متصلة من التأسيس إلى التمكين ومن بناء الدولة إلى بناء الإنسان ومن ترسيخ الاستقرار إلى توسيع آفاق الطموح، ومع تعاقب الأجيال ظل جوهر المسيرة واحدا، وطن موحد ودولة راسخة وإنسان هو محور التنمية وغايتها.
ولعل أكثر ما يميز قصة وطننا الراهنة عمق قيمة التحول والفكرة التي تقف خلفها والإيمان بأن المستقبل لا ينتظر وإنما يصنع، حيث دخلت بلادنا مرحلة واسعة من التحول منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 تستند إلى إعادة اكتشاف الإمكانات الوطنية، وتنويع الاقتصاد، وتنمية القطاعات الجديدة، وتعزيز جودة الحياة، وفتح مساحات أوسع للإبداع والاستثمار والثقافة، والسياحة، والرياضة، والتقنية، وتجربتنا السعودية الأخيرة مع رؤية 2030 تجربة أصيلة قائمة على فهم الجذور والإيمان بالتقدم والمستقبل وصناعة النموذج التنموي الخاص بنا، وتقدم إجابة واضحة أن الحداثة لا تعني التخلي عن الهوية.
فالمملكة تتفاعل مع العالم في كل نشاطاته وتستثمر في القطاعات الحيوية والنوعية مثل الذكاء الاصطناعي والتقنية السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، وفي الوقت نفسه تحافظ على لغتها وتراثها وقيمها وذاكرتها.
إن المشاريع العملاقة في المملكة ليست مجرد كتل خرسانية أو مخططات عمرانية ضخمة، إنها ترجمة عملية لفلسفة جديدة في التنمية؛ فلسفة ترى أن بناء المستقبل لا يتحقق بالأمنيات وإنما بالعمل الجاد والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع، وحق لنا الفخر بالمشاريع الوطنية العملاقة على مستوى العالم وفي مقدمتها نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، والدرعية، وروشن، وتطوير قطاعات السياحة والعقار والترفيه والرياضة والابتكار بوصفها محركات للتنويع الاقتصادي، والقراءة الدقيقة لمستوى الإنجاز تكشف أن المشاريع العملاقة لا تسير جميعها بالوتيرة نفسها؛ فبعضها انتقل بالفعل من مرحلة الإنشاء إلى التشغيل الجزئي والكلي واستقبال الزوار كمشروعات البحر الأحمر والدرعية ونيوم والقدية وقطاعات السياحة والعقار والترفيه والرياضة والابتكار، فيما لا تزال مشروعات أخرى في مراحل متقدمة من البناء أو إعادة ترتيب الأولويات والتنفيذ المرحلي باعتبارها مشاريع نوعية تعيد رسم المنطقة ومستقبلها.
إن الوطنية الحقيقية لا تبنى بالمشاعر وحدها وإن كانت المشاعر أساسا، وإنما تبنى حين تتحول المحبة إلى مسؤولية والانتماء إلى عمل، كما أنها لا تقاس بعدد الأعلام التي ترفرف في يوم الاحتفال ولا بعلو أصوات الأناشيد وإنما بما يتركه المواطن من أثر في وطنه كل يوم، فالمعلم الذي يضيء عقل طالب هو شريك في بناء الوطن، والطبيب الذي يخفف ألم إنسان يمارس الوطنية في أسمى صورها، والمهندس الذي يبني مشروعا، والباحث الذي ينتج معرفة، والجندي الذي يحمي الحدود، والموظف الذي يؤدي عمله بأمانة، ورائد الأعمال الذي يصنع فرصة، والشاب الذي يطور مهاراته ويطمح إلى التفوق جميعهم يكتبون سطرا في كتاب الوطن.
نحن السعوديون أمة عظيمة عبر التاريخ، فإذا كان جيل الأمس قد حمل مسؤولية تأسيس الدولة، فإن جيل اليوم يحمل مسؤولية تطويرها، وجيل الغد سيحمل مسؤولية أن يجعلها أكثر قوة وتأثيرا وازدهارا، نحافظ على وحدتنا وقوتنا بما نؤمن به وبما نزرعه في أجيالنا من قيم قادرة على حماية المنجز ات واستدامتها، وشبابنا السعودي هم الجيل الذي يحمل مسؤولية استثنائية لأن التاريخ الذي صنعه الآباء أصبح اليوم بين أيدي الأبناء، وليس المطلوب منهم أن يكتفوا بالفخر بما صنعه السابقون، بل، ماذا سأضيف أنا إلى هذه القصة؟ فالمستقبل يحتاج إلى عالم ومبتكر وطبيب ومهندس ومعلم ومبرمج وفنان وباحث ورائد أعمال وإداري وحرفي وكل إنسان يؤمن بأن جودة ما يقدمه في موقعه الصغير تتراكم إلى قوة وطنية كبيرة.
يومنا الوطني مناسبة للامتنان لمن أسس وبنى وعلّم وعمل وواصل الطريق في صمت لأن تاريخ الأوطان إنجاز لا يصنعه فرد واحد وإنما تصنعه أجيال تتسلم الراية جيلا بعد جيل، وذاكرتنا الوطنية ليست مجرد احتفاظ بالتواريخ والأسماء وإنما وعي بالرحلة التي أوصلتنا إلى الحاضر، حين نتذكر البدايات فإننا نتذكر صعوبة الطريق، وحين نتأمل ما تحقق ندرك قيمة العمل الذي بذلته أجيال متعاقبة، وحين ننظر إلى المستقبل ندرك أن ما تحقق ليس مبررا للتوقف، بل حافز لمواصلة المسيرة.
ولعل من أبرز ما يمنح يومنا الوطني السادس والتسعين بعدا مختلفا، أن الاحتفاء بالوطن لم يعد قائما على استحضار أمجاد الماضي فقط، بل أصبح يتكئ على مشهد حاضر تتغير ملامحه بوتيرة متسارعة، تنوع في الاقتصاد ومشاركة مجتمعية ومدن تبنى ووجهات عالمية تتشكل وبنى تحتية عملاقة تنجز ومشروعات استراتيجية تعيد رسم الاقتصاد والجغرافيا وطبيعة الحياة في المملكة، كل عام ووطننا يزداد رسوخا في التاريخ واتساعا في الطموح وعمقا في الهوية وحضورا في العالم.
drAlshreefTalal@