الرأي

اليوم الوطني.. رمزية التاريخ ومسؤولية المستقبل!


يحق لنا أن نقول إن اليوم الوطني يجاوز دلالة المجالات التقليدية إلى مجالات أخرى أكثر عمقا؛ إذ أسهمت الدولة في توسيع نطاق الخدمات العامة، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية، وتعزيز الترابط بين المناطق المختلفة. إذ شهدت المملكة خلال العقود الماضية تحولات اقتصادية وتنموية واسعة، انعكست على بنية المجتمع وعلى مستوى الخدمات وجودة الحياة. وقد انتقلت المملكة تدريجيا من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية (النفط تحديدا) إلى اقتصاد أكثر تنوعا، مع توسع قطاعات متعددة في الصناعة والخدمات والسياحة والتقنية والاستثمار.

في المرحلة الراهنة، ترتبط عملية التحول التنموي بصورة متزايدة برؤية السعودية 2030، التي تستهدف تطوير الاقتصاد والمجتمع، وتعزيز الاستدامة الاقتصادية، وتنمية القطاعات غير النفطية، وزيادة مشاركة المواطنين في مختلف المجالات. ومن هذه الرؤية، يمثل اليوم الوطني مناسبة للإشارة إلى مسارات التنمية، خلال استحضار الإنجازات، وكذلك إلى التحديات المستقبلية ومتطلبات استمرار التنمية.

رغم أهمية الاحتفال بالمناسبات الوطنية في تعزيز الذاكرة المشتركة، فإن القيمة الأعمق لليوم الوطني ترتبط بمدى قدرة المجتمع على تحويل الشعور بالانتماء إلى سلوك وممارسة. فالمواطنة لا تقتصر على المشاعر، وإنما تشمل الالتزام بالأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، والإسهام في التنمية، واحترام حقوق الآخرين، والمشاركة الإيجابية في المجتمع. ومن ثم، يمكن النظر إلى اليوم الوطني بوصفه مناسبة تجمع بين البعد الرمزي والبعد العملي؛ فالرموز الوطنية تستحضر التاريخ وتدعم الشعور بالانتماء، بينما تعكس الممارسات اليومية مستوى التزام الفرد تجاه مجتمعه ودولته.

تكتسب المناسبة الوطنية أهمية إضافية عندما تتحول من استذكار الماضي إلى التفكير في المستقبل. فالمملكة لا تقاس فقط بما حققته في مراحل تأسيسها فحسب، وإنما كذلك بقدرتها على مواصلة التطور والاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. وتواجه المملكة، مثل غيرها من الدول، مجموعة من الطموحات المرتبطة بالمستقبل، من أبرزها تنويع الاقتصاد، وتنمية رأس المال البشري، ومواكبة التطورات التقنية، وتعزيز الاستدامة، ورفع جودة الحياة، وتحقيق التوازن بين المحافظة على الخصوصية الثقافية والانفتاح على العالم. وعليه، فإننا نستذكر في اليوم الوطني ضرورة أن يكون مناسبة يمكن أن تأخذ بعدا استشرافيا، من خلال تعزيز الوعي بأن بناء الدولة عملية مستمرة، وأن الإنجازات المتحققة تمثل أساسا لمراحل لاحقة من التطوير.

يجدر بنا أن نذكر بأن اليوم الوطني السعودي يمثل مناسبة متعددة الأبعاد؛ فهو ذكرى تاريخية لتوحيد المملكة، ومناسبة لاستحضار مسيرة بناء الدولة، وفضاء للتعبير عن الانتماء الوطني، وفرصة للتأمل في التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المملكة. وتتجاوز القيمة الحقيقية لهذه المناسبة مظاهر الاحتفال الآني إلى مناسبة للتأمل في العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فاستحضار تاريخ تأسيس الدولة لا يكتمل بمجرد الاحتفاء به، وإنما يكتمل أيضا بفهم مسارات تطورها، وتقدير منجزاتها، والوعي بالتحديات التي تواجهها، والمشاركة في بناء مستقبلها.

وبذلك يصبح اليوم الوطني مناسبة لا لاستعادة الماضي فحسب، بل لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ضمن مسيرة وطنية مستمرة تتجدد مع كل جيل.

Halemalbaarrak@