اليوم الوطني.. من احتفال إلى مصنع إنجاز
الأربعاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦اليوم الوطني ليس مجرد إجازة وأعلام وزينة وأهازيج، بل هو محطة نتوقف عندها في كل عام، لنستذكر فيها جهود الآباء والأجداد في بناء هذا الكيان الشامخ، ونحتفي بمسيرة التنمية والازدهار والتحول الوطني ضمن رؤية المملكة، ولتعزيز معاني الانتماء والوطنية والولاء للقيادة الرشيدة، ونتذكر فيه الملحمة البطولية التي قادها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - لتوحيد هذه البلاد المباركة، المملكة العربية السعودية.
وأعتقد أنها مناسبة عظيمة، وفرصة ثمينة يجب ألا تمر مرور الكرام، وأن نستثمرها ونحولها من احتفال إلى إنجاز، وأن لا نقتصر اليوم الوطني على الاحتفال به كفعالية استهلاكية فقط، بل نجعله فعالية إنتاجية وتحفيزية وتنموية، فهي نافذة مفتوحة على المستقبل، وحق علينا أن نغتنمها أحسن اغتنام، فنسخرها في بناء الوطن وتنميته، ونستثمر كل ما أتيح لنا من وسائل وسبل لنرتقي به، وهنا يجب علينا أن نسأل أنفسنا «ماذا قدمنا لوطننا؟ وماذا نستطيع أن نقدم أكثر؟ وكيف يمكن أن نستثمر هذه المناسبة؟».
إن الوطن لا يبنى بسواعد فئة دون أخرى، فكل مواطن - أينما كان موقعه، وأيا كانت وظيفته - هو شريك في مسيرة البناء، ولا يوجد دور صغير.. المعلم في فصله، والمهندس في مشروعه، والطبيب في عيادته، والتاجر في متجره والمزارع في مزرعته... كل مواطن في موقعه هو لبنة، واليوم الوطني فرصة لنثبت أننا جميعا نستطيع أن نخدم وطننا، كل من موقعه وعبر وظيفته، وهو يذكرنا بأن العطاء لا يحتاج منصبا، بل يحتاج نية وإرادة، فبإمكان كل منا أن يسهم في تنمية هذا الوطن من خلال مهنته، ومن خلال إتقانه لعمله.
فالمعلم يزرع معنى الوطن في العقول، ودوره في اليوم الوطني لا ينتهي عند درس التاريخ، فهو يستطيع أن يحول الفصل إلى ورشة انتماء، مسابقات ابتكار بدل مسابقات الإلقاء فقط، ويمكن كذلك تحفيز الطلاب على إقامة مشاريع تخدم المدرسة، أو استضافة مهندس أو طبيب أو تاجر من أولياء الأمور يشرحون تجاربهم للطلاب، أو مشاريع مجتمعية أو مبادرات وغيرها، فهو يمكن أن يحول اليوم الوطني إلى فرصة عطاء، وكذلك المهندس فهو يستطيع أن يجعل اليوم الوطني يوم «إطلاق مشاريع» ومبادرات تطوعية، ترميم مدارس قديمة، صيانة حدائق الحي، تصميم أرصفة لذوي الاحتياجات، إقامة معارض وتقديم حلول، وعرض أفكار مثل تقليل استهلاك الطاقة في المنازل، أو تقديم تصاميم إسكان مبتكرة تناسب الشباب، فرق هندسية تتنافس على حل مشكلة مرورية أو بيئية في المدينة وتقديمها للبلدية، وغيرها من الأفكار، وبذلك يستطيع المهندس أن يثبت أن حبه للوطن يقاس بما يقدمه من خدمات، أما الطبيب فهو خط الدفاع الأول، حيث يمكن أن يشارك بقوافل طبية مجانية، أو فحص شامل في الأسواق أو المساجد والمدارس بمناسبة اليوم الوطني، إقامة حملات توعية عن بعض الظواهر، مثل السمنة، التدخين، الصحة النفسية، حملات تبرع بالدم.. وأيضا جميع المهن.. فالكل له دور مهم.. رجل الأمن ينظم فعاليات توعية مرورية وأمنية للأسر، التاجر ورجل الأعمال يطلقان «منتجا وطنيا» بعرض خاص، ويخصصان جزءا من الأرباح لمشروع خيري، أو يفتحان أبواب تدريب للشباب، الإعلامي والمصمم يوثقان قصص نجاح السعوديين بدل الاكتفاء بالفلكلور، ويصنعان محتوى ملهما، المزارع والبائع يقيمان سوق منتجات وطنية لتعريف الناس بقيمة شعار «صنع في السعودية».
وإجمالا فإن كل مواطن، وكل موظف، وكل يد تعمل في أي مهنة، وكل جهة وكل شركة وكل قطاع... يستطيع أن يصنع أثرا ويجعل من اليوم الوطني فعالية مفيدة، بدلا من أن كل الجهات تؤدي الفعالية نفسها، فالبناء لا يتم بتكرار المشهد، بل بتنوع الأدوار، فعندما يقوم كل شخص بدوره في تخصصه المختلف عن الآخرين، فإن كل هذي الجهود في يوم واحد تتحول من ذكرى نعيشها إلى إنجاز نقطف ثماره، فلتكن وظيفتك اليوم هديتك للوطن، وليكن عملك هو احتفالك.. فهو يوم نجدد فيه الولاء والعطاء للوطن، ليس بالكلام أو الهتاف فقط، بل بالعمل والأثر اللذين يبقيان بعده، فالوطن مسؤولية الجميع، ومهما اختلف موقعك ومهنتك، فبإمكانك أن تساهم في تنميته، فلنجعل من يومنا الوطني انطلاقة، ومن أعمالنا وفاء، ومن وظائفنا أداء لحق هذا الوطن في أعناقنا.
حفظ الله قيادتنا ووطننا.. وأدام علينا نعمة الأمن والأمان.