الرأي

اليوم الوطني ذكرى وطن العزم والتلاحم


تأتي الذكرى السادسة والتسعون لليوم الوطني في وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا، وتتوالى فيها الحروب والأزمات والصراعات، فتقف المملكة العربية السعودية بثبات لافت، محافظة على أمنها واستقرارها، وماضية في بناء اقتصادها، ومتمسكة بثوابت سياستها، وحاضرة بثقلها في محيطها الإقليمي والدولي. وهذه القدرة على الثبات في زمن الاضطراب ليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتيجة رؤية سياسية واعية، وإدارة متزنة للمصالح الوطنية، وقراءة دقيقة للتحولات من حول المملكة.

لقد أظهرت السياسة السعودية خلال السنوات الماضية قدرة واضحة على التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية بواقعية وثقة. فلم يكن الحضور السعودي قائما على ردود الأفعال، وإنما على بناء المواقف بما يخدم مصالح المملكة، ويحافظ على أمنها، ويعزز مكانتها، ويدفع باتجاه الاستقرار في منطقة تتقاطع فيها المصالح وتتشابك الأزمات. وفي ظل هذه الأجواء استطاعت المملكة أن تحافظ على استقلالية قرارها، وأن تنتهج سياسة تقوم على الحوار والتوازن، وأن تجعل من ثقلها السياسي والاقتصادي أداة لخدمة مصالحها الوطنية والمساهمة في معالجة أزمات المنطقة.

ولم يكن الاقتصاد بعيدا عن هذه القيادة الحكيمة. ففي الوقت الذي تهتز فيه اقتصادات كثيرة تحت تأثير الحروب ووطأة التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق، تواصل قيادة المملكة الحكيمة العمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة الصدمات، مع الاستثمار في الإنسان، والبنية التحتية، والتقنية، والسياحة، والصناعة، والخدمات، ومختلف القطاعات الواعدة. وتكمن أهمية هذا المسار في أنه لا ينظر إلى الاقتصاد باعتباره أرقاما ومؤشرات فحسب، بل باعتباره أحد أعمدة الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي.

وهذا كله بفضل الله عز وجل ثم قيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده - حفظهما الله - فهي قيادة تحسن إدارة اقتصادها في أوقات الرخاء، وتستعد للمتغيرات في أوقات الأزمات، وهي أكثر قدرة على حماية مكتسباتها ومواصلة مشاريعها التنموية مهما تبدلت الظروف. وهنا تظهر قيمة القيادة الحكيمة والرؤية بعيدة المدى بحيث لا يكون الوطن رهينة للظرف الآني، بل يمتلك القدرة على التخطيط للمستقبل أيا كانت التحديات والتحولات المحيطة به.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في المشهد السعودي اليوم أن المواطن يعيش في وطنه آمنا، بينما تشتعل الأزمات والحروب في أجزاء متعددة من المنطقة. هذا الاستقرار لم يأتِ مصادفة، بل هو ثمرة منظومة متكاملة من اليقظة الأمنية، وقوة المؤسسات، ووعي المجتمع، وحزم الدولة في حماية أمنها ومصالحها. إن المحافظة على الأمن الداخلي في منطقة مضطربة هي في حد ذاتها إنجاز استراتيجي، لأن التنمية لا يمكن أن تزدهر بلا أمن، والاستثمار لا ينمو بلا استقرار، والمجتمع لا يستطيع أن يتطلع إلى المستقبل بثقة ما لم يشعر بأن وطنه قادر على حمايته.

إن التلاحم بين القيادة والشعب يأتي وراء كل ذلك، فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تكمن فقط في مواردها أو مؤسساتها، وإنما في الثقة التي تربط مواطنيها بقيادتهم، وفي شعور الجميع بأنهم شركاء في حاضر الوطن ومستقبله. ففي المملكة، ظل هذا التلاحم واحدا من أبرز مصادر القوة الوطنية. فعندما تتعرض المنطقة للأزمات، يزداد إدراك المواطن لقيمة الأمن والاستقرار. وعندما تتسارع مشاريع التنمية، يشعر المجتمع بأنه شريك في رحلة التحول. وعندما تواجه المملكة تحديات سياسية أو اقتصادية، يظهر معدن المجتمع السعودي في التكاتف والثقة والالتفاف حول وطنه وقيادته. وهذا يعكس حالة وطنية متجذرة، تتجدد مع كل مرحلة، وتمنح الدولة قوة إضافية في مواجهة المتغيرات.

إن المملكة اليوم لا تقف عند حدود المحافظة على ما تحقق، بل تنظر إلى المستقبل باعتباره مساحة جديدة للإنجاز. وما بين سياسة خارجية أكثر حضورا، واقتصاد أكثر تنوعا، وأمن راسخ، ومجتمع أكثر ثقة بقدرات وطنه، تتشكل صورة المملكة الحديثة في أنها دولة تعرف حجم مسؤولياتها، وتدرك موقعها، وتتحرك بثبات في عالم مليء بالتغيرات والتحديات.

وفي اليوم الوطني، نرفع راية الوطن ونحن نستحضر مسيرة طويلة من البناء والتوحيد والإنجاز، ونجدد ثقتنا بأن بلادنا بقيادتها الرشيدة قادرة على عبور التحديات، مهما اشتدت الأزمات من حولها، ونحن اليوم نحتفل بوطن استطاع أن يحافظ على أمنه في محيط مضطرب، وأن يدير اقتصاده بحكمة، وأن يوسع حضوره السياسي، وأن يمضي في التنمية بثقة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على تماسك مجتمعه ووحدة صفه. حفظ الله بلادنا، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، وحفظ قيادتها، وكل عام والوطن أكثر أمنا، وأعلى مكانة، وأعظم طموحا.

drbmaz@