الرأي

أعز ما على السعودي وطنه


في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يأتي اليوم الوطني السعودي كموعد عابر في التقويم، ولا كمناسبة نرفع فيها الأعلام ونردد الأهازيج الوطنية فحسب، بل يأتي كل عام ليعيد إلى الذاكرة قصة وطن امتدت جذوره لأكثر من ثلاثة قرون، ودولة قامت على الوحدة والاستقرار والسيادة، وبقيت منذ تأسيسها شامخة عزيزة، يسمع صوتها ويحسب لمواقفها حساب.

فالسعودية لم تكن يوما دولة طارئة على محيطها، ولم يبدأ حضورها مع الطفرة الاقتصادية، ولا مع المشاريع الحديثة، ولا مع التحولات التي يشهدها العالم اليوم، فجذورها تعود لعام 1727م، حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى في الدرعية، ثم جاءت مراحلها المتعاقبة، حتى قاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مشروع توحيد البلاد، وأعلن في 23 سبتمبر 1932م قيام المملكة العربية السعودية.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يكن بناء المملكة مقتصرا على توحيد الأرض، بل كان تأسيسا لكيان يعرف قيمة أمنه وسيادته، ويعرف كيف يحمي حدوده ويحافظ على قراره. ومع مرور العقود، ترسخت مكانة المملكة إقليميا ودوليا، وكانت من الدول التي شاركت في تأسيس منظومة الأمم المتحدة ووقعت على ميثاقها عام 1945م.

ولهذا فإن السعودي حين يحتفل باليوم الوطني، لا يحتفل بيوم أعلن فيه اسم المملكة فقط، بل يحتفل بتاريخ طويل من الدولة والوحدة والاستقرار، وبوطن ارتبط به منذ طفولته حتى أصبح جزءا من هويته وذاكرته وحياته.

ولعل أجمل ما يختصر هذه العلاقة هو ذلك الشعور الذي عبر عنه طلال مداح في أغنية «وطني الحبيب»، حين جعل الوطن شيئا يفدى بالروح وما يملك الإنسان. فالأغنية لم تبق مجرد لحن وطني، بل أصبحت جزءا من ذاكرة السعوديين، يسمعها الكبير فيتذكر وطنه، ويرددها الصغير فيتعلم أن الوطن ليس كلمة تقال، وإنما مكان ننتمي إليه ونحبه ونفخر به.

وما بين العلم الذي يرفرف في الشوارع، والأغاني الوطنية التي تصدح في كل مكان، وصور الملوك التي يعتز بها أبناء الوطن، يبقى هناك معنى أعمق لا يحتاج إلى احتفال كي يظهر: أن السعودي يرى وطنه نعمة تستحق الحمد، وأمانة تستحق الوفاء.

لكن حب الوطن لا يظهر فقط في أيام الرخاء. يظهر أكثر عندما يختبر الوطن. والمملكة العربية السعودية عاشت خلال العقود الماضية اختبارات أمنية وسياسية كثيرة، من الإرهاب إلى الصواريخ والطائرات المسيرة، ومن محاولات استهداف المنشآت الحيوية إلى تهديد المدن والمناطق المأهولة.

وفي الأسابيع الأخيرة، عاد هذا التهديد إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحا، مع تصعيد جماعة الحوثي لهجماتها باتجاه المملكة، فطالت هجماتها مدن خميس مشيط وأبها والطائف. وامتدت لتصل إلى مكة المكرمة وجدة والرياض.

وهنا يقف الإنسان أمام مفارقة لا يمكن تجاهلها. كيف يمكن لمن يدعي بأنه ينصر المسلمين أن يوجه سلاحه نحو بلد يحتضن قبلة المسلمين ومهبط الوحي، ويعرض أمن أهلها وضيوف الرحمن للخطر؟

كيف ترفع شعارات الدفاع عن المسلمين، بينما تصل الصواريخ والمسيرات إلى مدن المملكة، ويصاب المدنيون، وتهدد مكة المكرمة، التي تتجه إليها قلوب المسلمين في صلاتهم؟

ومكة ليست مجرد مدينة في المملكة. ومدينة رسول الله ﷺ ليست مجرد مدينة. فهنا مكة، قبلة المسلمين، وهنا المدينة المنورة، دار هجرة رسول الله ﷺ ومثواه، وهنا الحرمان الشريفان اللذان يتطلع إليهما المسلمون من كل أنحاء العالم.

ولهذا فإن محاولة تهديد مكة والمدينة ليست شأنا سعوديا فقط، بل مساس بمكانة مقدسة في وجدان أكثر من ملياري مسلم، وهو ما عبرت عنه جهات إسلامية ودولية عند إدانتها محاولة استهداف العاصمة المقدسة.

ومع كل صاروخ أو مسيرة تحاول الاقتراب من أرض المملكة، يتأكد معنى قد لا يشعر به من يعيش بعيدا عن الخطر: أن الأمن الذي نمارس حياتنا داخله ليس أمرا عاديا.

ففي الوقت الذي يذهب فيه المواطن إلى عمله، وتذهب الطالبة إلى جامعتها، وتجلس العائلة معا في منزلها، هناك رجال يقفون في مواقعهم، يراقبون السماء والحدود، ويتعاملون مع التهديد قبل أن يصل إلى الناس.

لم تكن المملكة في تاريخها دولة تبحث عن الصدام لمجرد الصدام، لكنها في الوقت ذاته لم تكن دولة تسمح بأن يتحول ضبط النفس إلى ضعف، أو أن يفهم الحلم على أنه عجز.

وهنا تتضح قاعدة يعرفها كل من تابع تاريخ السعودية: الهدوء السعودي ليس غفلة، والصبر السعودي ليس عجزا، والدبلوماسية لا تعني غياب القدرة على الحسم.

فالسعودية تستطيع أن تتعامل بالحكمة، وتستطيع أن تمد يدها للسلام، لكنها في الوقت نفسه تعرف متى يكون أمنها خطا لا يمكن تجاوزه.

وليس غريبا أن تكون المملكة حاضرة في الملفات الإقليمية الكبرى؛ فهي دولة تقع في قلب العالم العربي والإسلامي، وتحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتمتلك موقعا استراتيجيا يجعل استقرارها جزءا مهما من استقرار المنطقة والعالم. ولهذا فإن ما يحدث حولها لا يمكن أن يبقى خارج حدودها.

لكن اللافت في التجربة السعودية أن الأزمات لم توقف مسيرة البناء. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش اضطرابات متلاحقة، كانت المملكة تمضي في بناء اقتصادها وتنويع مصادره، وتطوير قطاعاتها، وفتح مجالات جديدة أمام أبنائها وبناتها، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وهنا يظهر وجه آخر من وجوه القوة. فالقوة ليست فقط في السلاح. ولكن القوة أن تحمي وطنك، وفي الوقت نفسه تبني مستقبله. أن تحافظ على أمن مدنك، وتبني جامعاتك. أن تحرس حدودك، وتفتح فرص العمل لشبابك. أن تواجه التحديات الإقليمية، وتواصل في الوقت نفسه بناء اقتصاد أكثر تنوعا وحضورا.

هذه هي المملكة التي يعرفها السعودي. مملكة لا تختزل في النفط، ولا في السياسة، ولا في القوة العسكرية وحدها، وإنما في وطن يتغير ويتطور دون أن يتخلى عن جذوره. ومهما تغيرت المدن، وتوسعت المشاريع، وتطورت الحياة، يبقى هناك شيء ثابت في وجدان السعودي هو «الوطن».

ولهذا فإن اليوم الوطني ليس مجرد احتفال بما وصلنا إليه، وإنما تذكير بما يجعل هذا الوطن وطنا.