الوطن بعيون سعودية
الأربعاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦هناك أشياء لا تحتاج أن يتعلمها الإنسان؛ يكفي أن يكبر وهو يراها حتى تصبح جزءا من طبعه.
طفل يركض خلف سيارة تحمل العلم، وأب يرفع راية المملكة فوق منزله، وشاب يضعها على سيارته قبل أن يخرج إلى احتفالات اليوم الوطني، وأسرة تختار أن تقضي المساء في أحد ميادين المدينة، فقط لأن المكان سيكون أكثر اخضرارا في ذلك اليوم.
قد تبدو هذه التفاصيل عابرة إذا نظرنا إليها كل واحدة على حدة، لكنها حين تجتمع ترسم شيئا أكبر من مظاهر الاحتفال. ترسم علاقة السعوديين بوطنهم.
علاقة لم تُبن في يوم واحد، ولا تظهر في يوم وطني واحد. إنها تظهر في الطريقة التي يتحدث بها السعودي عن بلاده، وفي اعتزازه بما تحقق فيها، وفي حرصه على أمنها، وفي تلك الحساسية الخاصة تجاه كل ما يمسها أو يقترب من مقدساتها.
ولعل الأيام الأخيرة قدمت مشهدا مختلفا لهذه العلاقة. فبينما يستعد السعوديون للاحتفال باليوم الوطني، جاءت محاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة لتضع معنى الأمن في مكان أكثر وضوحا. أعلنت المملكة اعتراض المسيرة وتدميرها قبل دخول المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، وأكدت موقفها في حماية أمن الحرمين الشريفين، وأراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.
كان يمكن لمثل هذا الخبر أن يطغى على تفاصيل الحياة اليومية، وأن يجعل الخوف هو الشعور المسيطر، لكن المشهد السعودي بدا مختلفا، فالدولة تؤدي مهمتها في حماية الأرض والمقدسات، والجهات المختصة تتعامل مع التهديد، والناس يتابعون ما يصدر من المصادر الرسمية، وتستمر الحياة.
تفتح المدارس أبوابها، وتعمل المتاجر، وتمتلئ الطرق بالناس، وتبقى المدن في إيقاعها المعتاد، هذه الصورة الهادئة تحمل معنى مهما.
فالأمن ليس فقط أن تعترض الطائرة المسيرة قبل وصولها إلى هدفها؛ الأمن أيضا أن يشعر الناس بأن حياتهم لن تتوقف أمام محاولة تهديدها.
وهنا يظهر دور الدولة في صورته الأوسع: يقظة في مواجهة الخطر، وإدارة هادئة للمشهد، واستمرار في حماية الحياة اليومية التي قد لا ننتبه إلى قيمتها إلا عندما تتعرض للتهديد.
أما المواطن، فتظهر علاقته بوطنه بطريقة أخرى. في الاحتفال يرفع العلم، وفي الأزمة يرفع مستوى الثقة، وهذا النوع من الوطنية لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
إن السعودي الذي يحتفل بوطنه في الشوارع هو نفسه الذي يريد أن يراه آمنا ومستقرا، يتابع أخبار بلاده، ويفرح لإنجازاتها، ويتأثر عندما يمسها خطر. لذلك يصعب فصل فرحة اليوم الوطني عن معنى الأمن الذي يجعل هذه الفرحة ممكنة أصلا، ربما لهذا يبدو شعار «عزنا بطبعنا» أكثر اتصالا بالحياة.
فالطبع هو ما يظهر من الإنسان بصورة تلقائية؛ في مواقفه، وفي ردود أفعاله، وفي الأشياء التي يشعر أنها تمثله دون حاجة إلى شرح طويل.
والشجاعة طبع يظهر في مواجهة الخطر، والهمة تظهر في العمل، والكرم يظهر مع الضيف، والأصالة تظهر في التمسك بالهوية. وهي القيم التي استندت إليها الهوية الرسمية لليوم الوطني هذا العام.
وفي السعودية، يمكن رؤية هذه المعاني في تفاصيل كثيرة لا تجد طريقها دائما إلى الصور الرسمية.
في موظف يتقن عمله لأنه يعرف أن ما يفعله جزء من صورة أكبر، في طبيب يستقبل مريضه، ومعلم يقف أمام طلابه، ورجل أمن يؤدي مهمته، وشاب يبدأ مشروعه، وأسرة تربي أبناءها على احترام وطنهم.
الوطن هنا لا يظهر كفكرة معلقة فوق الحياة؛ يظهر داخلها، وهذا ربما ما يجعل علاقة السعوديين بوطنهم مختلفة في تعبيراتها. فهي ليست محصورة في العلم الذي يرفع، أو الأغنية التي تردد، أو الاحتفال الذي يقام في الشوارع.
هذه كلها صور جميلة، لكنها تمثل الجزء المرئي فقط، أما الجزء الأعمق فهو أن يصبح الوطن حاضرا في طريقة تعامل الإنسان مع يومه، وفي إحساسه بأن أمن بلاده ليس خبرا يسمعه، وإنما مساحة يعيش فيها حياته.
وحين جاءت محاولة استهداف مكة، لم يكن الدفاع عن المكان مجرد حماية لمدينة؛ كان دفاعا عن رمز ديني عظيم، وعن أمن بلد ارتبطت مسؤوليته بخدمة الحرمين وضيوف الرحمن. وقد أكدت المملكة في موقفها الرسمي أن حماية أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن وجميع أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها حق ومسؤولية تتخذ من أجلها الإجراءات اللازمة.
لهذا لا يبدو غريبا أن يتحول الدفاع عن الوطن في الوعي السعودي إلى دفاع عن تفاصيل كثيرة في الحياة: البيت، والعائلة، والمدينة، والمقدسات، والمستقبل.
فالإنسان لا يحب وطنه لأنه مساحة جغرافية فحسب؛ يحبه لأنه المكان الذي تتجمع فيه ذاكرته وحاضره وما يتمنى أن يراه غدا.
فالوطن لا يصبح عزيزا لأننا نقول ذلك في يومه؛ نحن نقول ذلك في يومه لأن عزته أصبحت طبعا فينا.
layla636@