أقدِم يا وطن... نحن لك جنود
الأربعاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦يطل علينا يومنا الوطني السادس والتسعون هذا العام في لحظة دقيقة من تاريخ المنطقة. والمشهد من حولنا يمر بتحولات متسارعة، والتحديات تتزاحم، وصواريخ الحوثي ومسيراته تحاول من جديد أن تنال من أمن المملكة ومقدراتها.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود اليوم الوطني مجرد مناسبة نستعيد فيها ذكرى توحيد البلاد، بل يصبح لحظة نتذكر فيها لماذا نحب هذا الوطن، وماذا يعني لنا، وماذا يعني أن نقف معه حين تشتد الظروف.
قبل ستة وتسعين عاما، أعلن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - توحيد هذه البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، بعد رحلة طويلة من الكفاح والبناء وتوحيد الأرض والإنسان. ومنذ ذلك اليوم، لم تكن قصة المملكة قصة أرض توحدت فحسب، بل قصة إنسان بُني، ودولة نهضت، ومجتمع انتقل خلال عقود من مرحلة التأسيس وبناء مؤسسات الدولة إلى وطن يقف اليوم بين دول العالم بثقة واقتدار.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتأمله السعودي في يومه الوطني ليس فقط ما شيد حوله، بل ما استثمره الوطن في الإنسان السعودي نفسه؛ في تعليمه، ومعرفته، وقدراته، وطموحه. هذا الوطن العظيم علم أبناءه، ففتح لهم أبواب العلم والمعرفة، وأرسلهم إلى أرقى جامعات العالم، وبنى المستشفيات، وشق الطرق، وأنشأ المدن، ووفر لهم الأمن والأمان وسبل العيش الكريم، وهيأ لأبنائه من الفرص ما جعل طموحهم يمتد اليوم إلى آفاق لم تكن متاحة من قبل.
أجيال متعاقبة من السعوديين عاشت قصة تحول كبرى؛ من وطن كان في بداياته، إلى دولة تنافس اليوم في الاقتصاد والعلم والتقنية والطب والفضاء والصناعة، وتحمل طموحا لا يعرف التوقف. ولهذا يأتي يومنا الوطني ليجدد فينا معاني الانتماء لهذا الوطن الشامخ، ويذكرنا بما نحمله له من حب ووفاء وفخر، وما يجمعنا به من علاقة تزداد رسوخا عاما بعد عام. فالأوطان التي تمنح أبناءها الأمن والتعليم والكرامة والفرصة، لا تسكن الخرائط فقط؛ بل تسكن القلوب.
واليوم، حين يحاول الحوثي أن يستهدف مدننا ومنشآتنا، فإنه يستهدف وطنا متماسكا، قيادة وشعبا، يدرك أبناؤه جيدا قيمة ما بنوه، ويعرفون أن أمن هذه البلاد واستقرارها ومقدراتها هي مسؤولية الجميع. نحن نعرف معنى أن نستيقظ آمنين في مدننا وقرانا، وأن يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم وجامعاتهم، وأن تعمل مستشفياتنا ومطاراتنا ومصانعنا ومؤسساتنا، وأن نستطيع أن نحلم بالغد ونحن مطمئنون إلى وطن قوي يحفظ أمننا وكرامتنا. ولهذا، فمن يظن أن تهديدا، أيا كان مصدره أو حجمه، يمكن أن يرهب السعوديين أو ينال من عزيمتهم، لم يعرف هذا الشعب جيدا، ولم يقرأ تاريخ هذه البلاد. لقد مرت المملكة منذ تأسيسها بتحديات عدة، وتغيرت أسماء الخصوم والظروف والأزمات، لكن شيئا واحدا بقي ثابتا بفضل الله وهو تماسك الدولة، والتفاف الناس حول قيادتهم، وقدرة هذا الوطن على تجاوز الشدائد والخروج منها أكثر قوة وصلابة.
لم نكن يوما نبحث عن الحرب، ولا نفرح بها. هذه بلاد جعلت التنمية مشروعها، وبناء الإنسان غايتها، والاستقرار طريقها إلى المستقبل. لكن السلام لا يعني الضعف، والساعي إليه لا بد أن يمتلك القوة التي تحميه. ومن يبني وطنا بهذا الحجم من الطموح، من حقه - بل من واجبه - أن يحمي أرضه وشعبه ومقدراته بكل قوة. ولهذا فإن رسالتنا في يومنا الوطني السادس والتسعين رسالة عز وثبات، وعهد وفاء لوطن نفخر به ونذود عنه: أقدِم يا وطن، فنحن لك جنود.
لسنا جنودك في ميادين القتال وحدها؛ بل جنودك في كل موقع. الجندي على الحدود جندي وطن، والطبيب في مستشفاه جندي وطن، والمعلم في فصله جندي وطن، والباحث في مختبره جندي وطن، والمهندس في مشروعه جندي وطن، والأب والأم وهما يربيان جيلا يحب هذه الأرض ويخلص لها هما أيضا من جنود الوطن.
ندافع عن وطننا بالسلاح حين يحتاج السلاح، وندافع عنه بالعلم حين يحتاج العلم، وبالعمل حين يحتاج العمل، وبالوعي حين تستهدفه الشائعات، وبالتكاتف حين يراهن الآخرون على الفرقة. هذه هي السعودية التي نعرفها، دولة بدأت مسيرتها بالتوحيد، ثم مضت في البناء، واليوم تمضي المملكة في مسيرتها بطموح يتجاوز حدود الحاضر، وتطلع إلى مستقبل يليق بتاريخها ومكانتها.
وفي هذه الظروف تحديدا، نقولها بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان: سر يا وطن إلى مستقبلك الذي تستحقه. ابنِ، وازدهر، وتقدم، ولا تلتفت إلى أصوات الفوضى والحاقدين من حولك. فهذا وطن اختار أن يبني الإنسان، وأن يصنع الحضارة، وأن يجعل من التنمية والازدهار طريقا لمستقبله؛ وسيبقى بإذن الله شامخا عزيزا كريما. أما من اختار الصواريخ والدمار والخراب طريقا، فلن يترك لشعبه وطنا مزدهرا، بل أنقاضا وذكريات مؤلمة. علمنا التاريخ أن الأوطان التي تبني الإنسان هي التي تبقى، أما من لا يعرف إلا الهدم والخراب فمصيره الزوال.
لذلك، أقدِم يا وطن، فنحن معك، ونحن لك، ونحن جنودك.
وكل عام وسعوديتنا عزيزة منيعة، شامخة بأهلها وقيادتها، ماضية - بإذن الله - نحو مستقبل يليق بها.