الرأي

بلاغة التلويح ومسرح الإسقاط حين تتحول "الحالات" إلى ساحات حرب بالوكالة

لم تكن "الحالة الرقمية" حين ابتكرتها منصات التواصل سوى نافذة سريعة للاقتطاع الجميل من يوميات الإنسان أو مساحة لمشاركة فكرة مكثفة أو نشر معلومة نافعة تثري الحصيلة الفكرية وتخدم الشأن العام.

غير أن التأمل في السلوك الرقمي المعاصر يكشف عن انحراف هذه الوظيفة التنويرية لتستحيل في كثير من الأحيان إلى منصة لخوض صراعات صامتة وتراشق غير مباشر عبر رسائل مسمومة تتستر خلف ساتر الأدب أو النصيحة.

إن ما يمكن تسميته بـ"صراع الحالات" يمثل حالة من الهروب من المواجهة الشجاعة إلى الاستتار خلف الرمزية المعتمة؛ يختار البعض مقطعا مرئيا يبدو في ظاهره المجرّد حكمة أو موعظة أو يقتطع نصا أدبيا يحمل ظاهرا نقيا بينما ينطوي جوهره على شحنة من الضغينة الموجهة بدقة نحو طرف بعينه. هذا الأسلوب وإن حاول صاحبه إسباغ مشروعية أخلاقية عليه تحت ستار الموعظة أو نقد الظواهر، ليس في حقيقته إلا صراعا بالرذيلة لأنه يستغل مساحة النشر العام لتصفية حسابات خاصة ويسخر القول الشريف أو المعنى السامي لأغراض مناكفة ضيقة.

ولم يقف التأثير المترتب على هذا الاندفاع عند حدود الخصومة العابرة بل تجاوزها إلى هتك خصوصية البيوت وتعرية الاستقرار الأسري؛ إذ أضحينا عبر ما ينشر في هذه الحالات نقف على دقائق تفاصيل الحياة الخاصة ونطلع على أوضاع المرء وتقلبات مزاجه ونستشف خلافاته الدفينة وأزماته الأسرية التي كان الأحرى بها أن تبقى في ظلال الستر والصيانة، والأدهى من ذلك أن هذا البث غير المحسوب يفتح الباب على مصراعيه لترصد الظنون وبناء الاستنتاجات الخاطئة وقراءة المقاصد بغير علم، فيساق انطباع ظالم عن إنسان أو أسرة كاملة بناء على مجرد رمزية عابرة أو اقتباس مجتزأ ليقع المحيطون في فخ التأويل المريض وتتشكل الانطباعات الاجتماعية على جرف من الوهم والاندفاع.

إن الخطورة الكامنة في هذا السلوك لا تقف عند حدود الإساءة للطرف المقصود، بل تمتد لتلوث الفضاء النفسي والاجتماعي للمتابعين، فبدلا من أن توفر الحالة إشراقة معرفية أو لمسة ذوقية تصبح مصدرا للطاقة السلبية ومجالا لتتبع المقاصد وإذكاء الريبة. واللافت في هذه الظاهرة أن مرسل الرسالة المبطنة يعتمد على منطق "الإسقاط الذكي"، حيث يصوغ منشوره بطريقة لا تبدي ذنبا صريحا أمام العلن، لكنها تصيب هدفها في نفس المباشَر به كالسهم النافذ، مفترضا أن المتابع العادي لن يدرك اللعبة في حين يعلم هو والمستهدف وحدهما عمق النكاية.

وتزداد هذه الممارسة تعقيدا حين يلجأ المرء إلى استخدام المنشورات العامة لمعالجة سوء فهم فردي أو خصومة شخصية في الوقت الذي تتيح فيه الأدوات الرقمية خيارات أكثر نضجا ورشاقة، فإذا كان النشر محتملا للبس أو مظنة لتأويل خاطئ من طرف محدد، فإن الذوق السليم والمروءة الأخلاقية يحتمان تحييد ذلك الطرف عبر الخيارات التقنية المتاحة كحظر الرؤية أو تخصيص القائمة تفاديا لاستثارة الحزازات وتعميق الفجوات، أما الإصرار على تعريض العلن لخصومات المستترين فهو صنيع يفتقر إلى شهامة المواجهة ولطف الكف.

إن الارتقاء بالمضمون الرقمي يتطلب إعادة القيمة للكلمة وإدراكا واعيا بأن المنصات لم تخلق لتكون ساحة للمحاكمة الاجتماعية أو مسرحا لتصفية المواقف شديدة الدقة. إن الاستغلال المثمر لهذه النوافذ يقتضي الترفع عن الاستئثار بالدوافع الضيقة والانتقال من منطق التلويح الخفي إلى منطق النفع الجلي، فالكلمة الطيبة والموضوعية التامة هما الأثر الباقي، وما دون ذلك لا يعدو كونه زفيرا عابرا في فضاء رقمي لا يحتفظ إلا بالنافع من القول والعمل.