الرأي

الزميل الوفي "أبو غيث"

لقد عودنا الأوفياء على الوفاء، فهو خصلة لا تصدر إلا منهم؛ تجده في لفتة، أو لمسة، أو وقفة، أو عطاء. وأيا كان شكل هذا الوفاء، فهو لا يأتي منهم طمعا في مقابل أو غاية، بل هو عطاء إنساني وأخلاقي تشربته أرواحهم.

كثير من الناس، بل أغلبهم، تحكم علاقاتهم المصالح؛ فعلاقاتهم قائمة على ما يرجونه من نفع، سواء كان ذلك للحفاظ على مكانة يسعون إليها، أو مساحة يبحثون عنها، أو لغرض من أغراض المعيشة. لذا، يسود بينهم منطق "الانتقاء" في تحقيق تلك المصالح، ويكون تواصلهم مقيدا بها. على النقيض من ذلك، يقدم الأوفياء كل شيء في السراء والضراء دون مقابل؛ إنه عطاء تلقائي تفيض به أرواحهم عند لقاء الآخرين أو السؤال عنهم، بلا مصلحة يرجونها. ومن هؤلاء الأوفياء النادرين: زميلي الفاضل الأستاذ علي بن عيسى الشهري، الذي عرفته في مجمع المنيظر التعليمي ببارق. لم يكن يربطني به سوى العمل، فلم تكن بيننا مصالح خارج نطاق الرسالة التعليمية، ولا أهداف شخصية يسعى لبلوغها، ولا منافع يبتغيها من وراء تعامله. لقد كان شخصا على سجيته، بلا أقنعة أو تصنع للمثالية، عرفته طوال عشر سنوات قضيتها في ذلك المجمع، فكان خلالها نعم الزميل والصديق الحقيقي.

وما بين الحين والآخر، يضرب هذا الشخص النادر أروع الأمثلة في التواصل والوفاء، ليس لغاية كما أسلفت، بل لأنه أصيل يعرف قدر الرجال. يمتلك نظرة ثاقبة وقلبا محبا للجميع، لا يفرق بين أحد وآخر، ولا يتعالى على أحد ليخضع لغيره، ولا يتكبر ولا ينحني؛ هو إنسان يدرك كيف يقيم البشر وكيف يتعامل معهم.

أخي وزميلي "أبو غيث" لم ينسَ يوما زميلا له، وعودنا على مبادراته النبيلة بين الحين والآخر. له رصيد كبير من المواقف الإنسانية والأخوية التي تزداد يوما بعد يوم، وآخر ما تكرم به هذا الكريم هو تلك الرسالة العطرة، التي حملت من الوفاء ما أعجزني عن الرد، فأحببت أن يشاركني القارئ الكريم الاطلاع عليها.

وهذا نص الرسالة:
"أخي العزيز، الإعلامي والصحفي القدير، والمميز حضورا، والمتألق عطاء، صاحب القلم الذي له بصمته، والحضور الذي يترك أثره في كل محفل.. أسعد الله صباحك بكل خير، وألبسك الله ثوب الصحة والعافية، وأدام عليك وعلى من تحب نعمه وفضله.

أحببت أن أجدد العهد بالتواصل، وأطرق بابكم برسالة أخ محب، طال به الانقطاع وقل منه السؤال، لا جفاء ولا نسيانا، وإنما هي مشاغل الحياة التي تأخذنا أحيانا عن أناس لهم في القلب منزلة، وفي الذاكرة حضور، وفي النفس تقدير لا تغيره الأيام ولا تحجبه المسافات.

فكيف أنسى رجلا مثلكم، وأنتم ممن لهم في القلب مكان، وفي الروح قرب، وفي الخاطر ذكرى طيبة لا تنقطع؟ ومثلكم وشرواكم لا يقاس التواصل معهم بكثرة السؤال، ولا تختزل المحبة في حضور الرسائل؛ فهناك أناس تسكنهم القلوب وإن قل اللقاء، وتبقى مودتهم راسخة وإن طال الغياب.

وأحببت كذلك أن أطمئن على صحتك وأحوالك، وعلى الأولاد وكل من يعز عليك، وأسأل الله أن تكونوا جميعا في أتم صحة، وأطيب حال، وأن يحفظكم بعنايته، ويمدكم بموفور الصحة والعافية، ويجعل أيامكم عامرة بالخير والسرور.

وأنتم كما عهدناكم دائما؛ حضورا يليق بكم، وتألقا لا يخبو، ونجاحا يزداد مع الأيام. أسأل الله أن يرفع قدركم، ويبارك في جهودكم، ويفتح لكم أبواب التوفيق، وأن نراكم دائما في القمة، في المكان الذي يليق بكم وبما تقدمونه من عطاء وأثر.

وأعتذر منك صادق الاعتذار عن التقصير وقلة السؤال، وأرجو أن تتسع صدوركم لعذر أخ محب، فما كان الغياب يوما غياب محبة، ولا كان قلة السؤال قلة تقدير، وإنما هي مشاغل تتعاقب، ويبقى أهل الوفاء في مكانهم محفوظين.

تقبل مني خالص المحبة والتقدير، وصادق الدعاء لك ولمن يعز عليك، وأسأل الله أن يديم بيننا المودة والصفاء، وأن يجمعنا دائما على خير، وأنتم سالمون غانمون، محفوظون بحفظ الله، أينما كنتم وحيثما حللتم..".

نقطة أخيرة: أسمى درجات الإخلاص وأطهر أنواع المشاعر هي "الوفاء بلا مقابل" و"الحب لوجه الله"؛ فابحث في أعماقك، لعلك تجد في نفسك سمو الإخلاص وطهر المشاعر.