الرأي

احتكار الكهرباء أم نفاذ مفتوح


في عالم الكهرباء، كانت الأمور لوقت طويل بسيطة: شركة واحدة تنتج الكهرباء وتملك الشبكة التي توصلها إلى المنازل والمصانع. لكن هذه البساطة كانت تحمل في طياتها احتكارا يجعل المستهلك أسيرا لخيار واحد، ويجعل المنافسة والابتكار شبه مستحيلة. وفي المملكة العربية السعودية، بدأت تظهر ملامح تغيير جذري لهذه المعادلة، حيث تتجه السياسات نحو تنظيم النفاذ المفتوح، وهو نظام يسمح لمنتجين مستقلين للطاقة، مثل أصحاب الألواح الشمسية على أسطح المنازل، ببيع فائض إنتاجهم إلى الشبكة الوطنية، والتنافس مع الشركات الكبرى في تزويد المستهلكين بالكهرباء. هذا التحول، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى، يحمل وعدا كبيرا بمستقبل أكثر عدالة وكفاءة في سوق الكهرباء السعودية.

فكرة النفاذ المفتوح تقوم على أساس بسيط هو فصل ملكية شبكات النقل عن أنشطة الإنتاج والتوزيع، بحيث تصبح الشبكة مثل طريق عام مفتوح للجميع، يدفع كل مستخدم رسما عادلا مقابل استخدامه، دون تمييز. هذا الفصل يفتح الباب أمام شركات صغيرة وناشئة لدخول سوق الكهرباء، وتقديم عروض تنافسية للمستهلكين، مما يؤدي إلى خفض الأسعار وتحسين جودة الخدمة، كما يشجع على الاستثمار في الطاقات المتجددة، لأن الشركات المنتجة للطاقة الشمسية أو الرياح تستطيع الآن بيع إنتاجها عبر الشبكة دون الحاجة لبناء شبكات خاصة بها. وفي المملكة، يكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في ظل رؤية 2030 التي تشجع على تنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءة استخدامها، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء.

بالنظر إلى الإطار التنظيمي في المملكة، تعمل الهيئة السعودية لتنظيم الكهرباء، بموجب صلاحياتها المنصوص عليها في تنظيمها لعام 2020، على تهيئة البيئة التنظيمية لتحويل قطاع الكهرباء إلى سوق تنافسي، بما في ذلك تمهيد الطريق لمفاهيم النفاذ المفتوح، حيث تشير الدراسات إلى أن الإصلاحات تتجه نحو السماح بعقود ثنائية بين المنتجين والمستهلكين الكبار، وإنشاء مشغل للسوق لتعزيز الشفافية والمنافسة.

إن مسيرة المملكة نحو تنظيم النفاذ المفتوح لا تزال في بداياتها، لكن التوجه واضح، فمع تزايد مشاريع الطاقة المتجددة التي تنفذها شركة أكواباور وغيرها من الشركات الوطنية، ومع تزايد عدد المنازل التي تركب ألواحا شمسية على أسطحها، ستزداد الحاجة إلى نظام يسمح لهذه المصادر المتنوعة بالاندماج بسلاسة في شبكة الكهرباء الوطنية.

هذا النظام ليس مجرد إجراء تقني، بل هو نقلة نوعية في مفهوم الكهرباء ذاتها، من سلعة تحتكرها جهة واحدة، إلى خدمة يقدمها العديد من المنتجين، ويتنافسون في أسعارها وجودتها، مما يعود في النهاية بالنفع على المواطن والاقتصاد الوطني والبيئة على حد سواء.

HUSSAINBASSI@