الرأي

ازدحام المدن في السعودية: المشكلة ليست في عدد السيارات... بل في «عُقد الطرق»


الازدحام يبدأ من نقطة محددة داخل الطريق تتكرر فيها المشكلة بشكل يومي. الطرق قد تكون واسعة وعدد المسارات كبير، ومع ذلك تتوقف الحركة أو تصبح بطيئة. هذا المشهد يتكرر في الرياض وجدة والدمام، ويعطي انطباعا بأن السبب يرتبط بعدد المركبات. الواقع مختلف، حيث يرتبط الازدحام بمواقع محددة داخل الشبكة المرورية تتعطل فيها الحركة بشكل مستمر.

هذه المواقع تعرف بعُقد الطرق، وهي نقاط يتجمع فيها الضغط المروري ويؤثر على بقية الشبكة. يمكن تحديد هذه النقاط وتحليلها بدقة، مما يعني أن المشكلة قابلة للفهم والمعالجة عند التعامل معها بطريقة صحيحة.

التقاطعات تمثل أحد أهم هذه المواقع. عند التقاء طريق رئيسي عالي الكثافة مع طريق فرعي ضعيف التنظيم، أو عند غياب التزامن بين الإشارات، تتشكل نقاط تأخير تؤدي إلى توقف الحركة وتراكم المركبات. هذا التراكم يمتد إلى أجزاء أخرى من الطريق، ويؤثر على كفاءة الشبكة بالكامل.

مداخل ومخارج الطرق السريعة تمثل موقعا آخر للضغط. في هذه النقاط، يلتقي تدفق سريع مع حركة أبطأ، مما يسبب اضطرابا في الحركة ينتقل إلى الخلف لمسافات طويلة. هذا الاضطراب يقلل من كفاءة الطريق حتى مع توفر مسارات كافية.

هناك مواقع يفقد فيها الطريق استمراريته، مثل تقليل عدد المسارات بشكل مفاجئ أو وجود منحنيات حادة أو جسور وأنفاق بسعة أقل من الطريق المرتبط بها. هذه المواقع تخلق نقاط اختناق تؤثر على الأداء العام للطريق وتحد من قدرته على استيعاب الحركة.

الحافة الجانبية للطريق تلعب دورا مهما في زيادة الضغط. التوقفات العشوائية أمام الأنشطة التجارية أو المدارس، أو عمليات التحميل والتنزيل، تؤدي إلى انخفاض السرعة وزيادة التذبذب في الحركة. هذه التأثيرات تتراكم وتؤثر على كفاءة الطريق بشكل مباشر.

كما أن اعتماد المدينة على عدد محدود من المحاور الرئيسية يزيد من المشكلة. عند غياب الطرق البديلة، تتحمل بعض الطرق ضغطا أكبر من طاقتها، وتتحول إلى نقاط ضعف تؤثر على الشبكة بالكامل.

هذه المواقع توضح أن الازدحام يرتبط بنمط متكرر يمكن ملاحظته وتحليله. ومع ذلك، يتم التعامل معه غالبا من خلال توسعة الطرق أو إضافة مسارات جديدة، وهو توجه يعتمد على زيادة السعة دون معالجة السبب الحقيقي.

عند زيادة عدد المسارات، تزداد أعداد المركبات المستخدمة للطريق، ويعود الازدحام خلال فترة قصيرة. هذا يعني أن التوسعة وحدها لا تقدم حلا مستداما، بل تؤدي إلى إعادة المشكلة بشكل مختلف.

التجارب العالمية توضح اتجاها مختلفا في التعامل مع هذه الحالة. في لندن، تم التركيز على تحسين التقاطعات وإدارة الإشارات بدل التوسع الكبير. في سنغافورة، تم تنظيم الدخول إلى الشبكة وإدارة الحركة بشكل دقيق. هذه التجارب اعتمدت على فهم مواقع المشكلة والتعامل معها بشكل مباشر.

الفرق هنا يرتبط بطريقة التعامل مع الطريق. بدلا من النظر إليه كمساحة يجب زيادتها، يتم التعامل معه كنظام يحتاج إلى إدارة مستمرة. هذا التغيير في المفهوم يفتح المجال لحلول أكثر دقة وأقل تكلفة.

من وجهة نظري، الحل يبدأ بتحديد مواقع الاختناق بدقة باستخدام البيانات. عند معرفة هذه المواقع، يمكن تحسينها بشكل مباشر من خلال تعديل الإشارات أو تنظيم الحركة أو تحسين نقاط الدخول والخروج. هذا النوع من المعالجة يعطي نتائج واضحة دون الحاجة إلى مشاريع كبيرة.

كما أن تحسين إدارة الحركة داخل هذه المواقع يرفع كفاءة الطريق بشكل ملحوظ. تنظيم الوقوف، التحكم في التدفقات، وتقليل التداخلات، جميعها إجراءات تساعد على تحسين الأداء العام.

لكن هذه الحلول تبقى مرتبطة بالمواقع نفسها. التحول الأهم يتمثل في الانتقال من إدارة الطرق إلى إدارة الحركة داخل المدينة، بحيث يتم فهم ما يحدث بشكل مستمر وليس عند ظهور المشكلة فقط.

استخدام التحليل الجيومكاني يساعد على تحديد مواقع المشكلة وفهم أسبابها بشكل أدق. كما أن أنظمة دعم القرار تتيح تجربة الحلول قبل تنفيذها واختيار الأنسب. إضافة إلى ذلك، يتيح التوأم الرقمي بناء نموذج للمدينة يمكن من خلاله التنبؤ بالازدحام قبل حدوثه.

هذا التوجه يحول التعامل مع الازدحام إلى عملية استباقية تعتمد على الفهم والتحليل المستمر. المدينة التي تعتمد على هذا الأسلوب تستطيع تحسين الأداء بشكل تدريجي ومستدام، وتقل فيها المفاجآت المرتبطة بالحركة اليومية.

الازدحام نتيجة نمط يتكرر في المواقع نفسها وبالأسباب نفسها. المشكلة ترتبط بطريقة إدارة الحركة داخل هذه المواقع، وليس فقط بعدد المركبات.

تحسين هذه المواقع وفهم سلوك الحركة فيها يمثلان الخطوة الأولى نحو حل المشكلة. أما الاستمرار في التوسع دون فهم، فيؤدي إلى تكرار النتيجة نفسها، ويزيد من الضغط على الشبكة.

السؤال الذي يقود إلى المرحلة التالية من الفهم يرتبط بالبيانات نفسها. إذا كانت هذه المواقع واضحة ويمكن تحديدها، فهل نملك القدرة على قراءتها بشكل مستمر؟

هذا ما سيتم التوسع فيه في المقال القادم: المدينة التي لا تُقرأ... تختنق.