جمعيات القطاع الخيري بين (الواجبات) و(الحقوق)
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦أفادت غالبية المنظمات (الجمعيات) بانخفاض التمويل من مصدر واحد على الأقل، سواء من الحكومة أو المؤسسات المانحة أو الأفراد. و(اضطرت 30% منها إلى تقليص الخدمات التي تقدمها. وعبر 71% من قادة هذه الجمعيات عن قلقهم بشأن الاستقرار المالي لمنظماتهم أو جمعياتهم)! وذلك حسب تقرير مركز العمل الخيري الفعال عام 2025م. وهو التقرير المعني بتغيرات نقص الموارد (حقوق القطاع) وزيادة الطلب على الخدمات (واجبات القطاع). [مركز العمل الخيري الفعال (CEP)].
بل إن التقرير أفاد حسب نتائجه المثيرة بما يستوجب المراجعات، وفيه «أبدى 35% من الجمعيات شكوكا في قدرتهم على إحداث تغيير كبير؛ فأموال المؤسسات المانحة مهما بلغت، لا تستطيع تعويض الفجوات التي يتركها ضعف التمويل الحكومي. رغم أن 93% من قادة المؤسسات المانحة يرون أن مؤسساتهم فعالة في فهم التحديات التي تواجه الجهات التي تمنحها.. لكن لم يوافقهم على ذلك سوى 54% من قادة الجمعيات غير الربحية» [مركز العمل الخيري الفعال (CEP)].
يستوجب هذا الواقع دق ناقوس الخطر؛ إذ أكد كذلك العديد من مسؤولي الجمعيات أن عام 2026م شهد أزمات مالية خانقة، انعكست سلبا على قدرتهم على سداد إيجارات المقرات أو رواتب الموظفين. ورغم احتمالية وجود خلل في توسع بعض الجمعيات - لا سيما الناشئة منها - في برامجها أو أعداد موظفيها، إلا أن المشكلة تبدو أعمق من مجرد قصور إداري محدود.
إن هذا القطاع الخيري المأمول منه وصوله إلى مستوى (قطاع غير ربحي) بشركات تعليمية عملاقة، وأخرى صحية كبرى، وثالثة خدمية تغطي كثيرا من الاحتياج الخدمي مساندة للقطاع الحكومي ومنافسة للقطاع التجاري، ما زال في بداية الطريق الذي يطمح إليه المجتمع المعطاء والرؤية الطموحة له 2030!
يثير هذا الوضع تساؤلات تستدعي عقد ورش عمل للخبراء والمختصين لمعالجة التحديات التي تواجه تطبيقات الرؤية في جانب التمويل؛ لا سيما أن العديد من مستهدفات التمكين، والاستدامة المالية، وتعظيم الأثر الاجتماعي تحقق نجاحا مشهودا يتطلب مزيدا من الدعم والتعزيز.
فهل الموارد المالية المتنوعة لهذا القطاع (أوقاف، زكاة، تبرعات، دعم حكومي) لم تحسب بشكل دقيق لتتوافق مع نمو أعداد جمعيات القطاع التي بلغت (8033) جمعية آخذة في النمو والصعود؟! أم أن تزايد الطلب على خدماتها خلق فجوة كبيرة لم تؤخذ في الحسبان؟ وهل تسبب بعض التشكيك في موارد الجمعيات أو مصارفها في تراجع الثقة المجتمعية بها بشكل غير مقصود؟
وهل باتت الجهات المسؤولة عن دعم هذا القطاع وتمكينه، بحاجة ماسة إلى مراجعة خططها ومعالجة التحديات المالية التي تواجهها الجمعيات، لا سيما الناشئة منها؟
تعد الجهات المعنية بتمكين القطاع الخيري وغير الربحي ودعمه شريكا أساسيا في مسيرته الصاعدة؛ إلا أن تزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق جمعيات القطاع يوما بعد يوم، يستوجب طرح حقوقها على الجهات المختصة، وفي مقدمتها: (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والهيئة العامة للأوقاف، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، ومنصة إحسان، ومنصة صحتي). إن تذليل هذه التحديات أمر ضروري لتمكين الجمعيات من أداء واجباتها على الوجه الأمثل، بما في ذلك إيقاف معدلات التوظيف المرتفعة في ظل إمكاناتها المحدودة.
ثم هل يحتاج هذا القطاع بجمعياته في ظل واقعه الحالي إلى التفكير الجاد من قِبَل الجميع في استراتيجيات جديدة متبعة عالميا؟ كأن يتم تخصيص نسب من الضرائب أو الرسوم والغرامات له، وتوفير إعفاءات ضريبية على خدمات المياه والكهرباء وما شابهها. والسؤال المطروح هو: في حال تأخرت المعالجة، كيف ستكون الحال حينما تتضاعف أعداد الجمعيات وبرامجها وخدماتها، وما يتبع ذلك من تضاعف الأعباء المالية؟
وكاتب المقال يأمل أن تكون هذه القضية أولوية لدى (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي) في مسؤولياته وحواراته وتنسيقاته مع الجهات المعنية بالحقوق المالية لهذا القطاع.